إعلان 728x90

أبناءُ الغُول داعش، مُهرّجون أم آكلو لُحوم البشر؟..



أبناءُ الغُول دَاعش، مُهرّجون أم آكلو لُحوم البشر؟..
قلم: أحمد بلقمري
(1)
قبل خمسة قرون من الآن، وبالضبط سنة 1525 ميلادية، شهد العالم حدثان هامان كانا بمثابة المحنة الأليمة، حيث كان الهنود على جانبي المتوسط في إحدى الجزر بين هايتي وسان دومينيك لا يزالون يأكلون لحم البشر، ويمشون عُراة، يأكلون البراغيث والعناكب والدّيدان النيّئة... لم تكن لهم لحى، وإن ظهرت صدفة على أحدهم سارع إلى نتفها، هكذا أخبرنا كتاب المدارات الحزينة(ص82)[1]. بطش الهنود بالأوربيّين وهم يسعون للتحقّق من ألوهيّتهم المحتملة، كان هؤلاء الهنود يشكّلون حوالي مائة ألف نسمة في إحدى الجزر بين هايتي وسان دومينيك، وبعد قرن من الزّمن فحسب صاروا أقلّ من مئتين!. أمّا الأوربيّون فواصلوا التكاثر والنمو على الرّغم من كلّ الحروب الأهليّة التي شهدوها!.

(2)
أمّا الحدث الثاني فهو بطش النّصارى المتعصبين بالمسلمين في غرناطة، حيث كان هؤلاء يُغيرون على القرى الإسلامية، فيقتلون ويحرقون ويسبون النّساء، حيث كانت محاكم التفتيش بقرار من الدّولة والكنيسة في أراغون تجبر المسلمين على التنصّر. عانى المسلمون ويلات الإرهاب والقهر فاضطرتهم الظروف إلى البحث عن ملاذ آمن. لقد أكّد فرويد على هذا المعنى حين قال:«.. تتنازع الأديان المختلفة، ويدّعي كل منها أن الحقيقة حكر له وحده، ونرى أنه يمكن التجاوز إطلاقا عن جانب الحقيقة الذي يحتويه الدّين؛ فالدين محاولة للتحكّم في العالم المادي الذي نعيش فيه عن طريق عالم الرغبات الذي خلقناه في أنفسنا نتيجة لضرورات بيولوجية ونفسية. غير أنه لا يفلح في هذه المحاولة، فتعاليمه مدموغة بطابع الأزمنة التي نشأت فيها: وهي عهود الطفولة البشرية وجهلها، كما أنّ ما يعد به من تعزية ومؤاساة غير خليق بالثقة... إنّنا إن حاولنا أن نحدد للدّين مكانه في تاريخ الإنسانية لم يبد أنّه كسب خالد بقدر ما يبدو أنّه نظير للمرض النفسي الذي لا بد أن يجتازه الإنسان المتحضّر وهو يتطوّر من الطفولة إلى سنّ النضج".(فرويد، 1932 ص153)[2] 
(3)
اليوم، ونحن نستعد لاستقبال سنة 2017، لم تتغيّر المعطيات كثيرا، حيث لا يزال المسلمون في عدد من الدّول العربية يعانون ويلات الإرهاب والقهر والذّل بأيدي ما يعرف "بتنظيم داعش" الإرهابي الذي يبطش باسم الإسلام، وينادي بدولة إسلامية انطلاقا من بلاد العراق والشام. هذا التنظيم الإرهابيّ يلبسُ المنتمي إليه ثوب الإسلاميّ المتطرّف، بلحية مطلقة وثياب سوداء غير مرتّبة، وسلاح على الكتف!. ضحايا هذا التنظيم يلبسون ثيابا برتقالية وتتنوّع انتماءاتهم وتهمهم فمن أسير كافر، إلى امرأة زانية، مرورا بطفل لا يصلّي وفتاة لا تقيم شرائع الإسلام، يختلف الضحايا ويموتون بطرائق متعدّدة، حرقا بالنّار أو شنقا أو رميا بالرّصاص على مسافات قريبة أو بعيدة، ويموتون أيضا بدفنهم أحياء !. إنّها همجيّة القرن الحادي والعشرين!، إنّها محنة أخرى من محن البشرية!.   
(4)
يتساءل كثيرون: من صنع هذا الخطاب الدّيني المفضي إلى تفجير البنية البارانوية أو العنف؟. الجواب دون شكّ سيكون لدى علماء النّفس الباحثين، فالدّين باعتباره ضرورة نفسية اجتماعية لأنسنة الكائن البشري لا يمكنه بأيّ حال من الأحوال أن يكون سببا في تأخر الإنسانية أو هكذا يريد له أنصار البشرية الجهلاء. ما الذّي ينتظره الغرب وما الذي فعله للمساعدة والحدّ من كلّ أشكال التطرّف والعنف باسم الدّين؟، أم أنّ الغرب ترك المهمّة للقوّتين الأكبر في العالم أمريكا وبدرجة أقل روسيا، وانكفأ على نفسه يحاول صدّ الهجمات الإرهابية والاحتماء من الألم؟. هل كان الأوربيّون وهم يهربون من بطش الهنود في هايتي وسان دومينيك سنة1525 ميلادية يدركون أنّهم باسم الحضارة سيبيدون الهنود ويغلبون في بضع سنين؟، وهل كانوا يدركون أنّ المحاط بالشّرور والأعداء عليه المهاجمة قبل أن يهاجم ويعتدى عليه؟. على الغرب أن يعترف أنّ اللّغة والثقافة فشلا في وقف التوحّش الخيالي!.    
(5)
سؤال آخر يخطر بالأذهان: ما الذي فعله الغرب المتحضّر لإيقاف هذا الوهم البشري؟، وما الذيّ فعله شرطي العالم أمريكا لوقف اشتعال الحروب وانتشار الدّمار؟. طبعا لن تجيب أمريكا نيابة عن الغرب لأنّها لن تستطيع أن تقول أنّها أخطأت باحتلالها العراق، وبأنها لم تستطع فعل شيء لوقف تمدّد تنظيم أبي مصعب الزرقاوي الذي أسس في سبتمبر/أيلول سنة 2003 ما عرف حينها بتنظيم "الجهاد والتوحيد"، كما لم تستطع وقف تنظيم "دولة العراق الإسلامية" في عام 2006؛ وحتى في أواخر عام 2011 لم تقدر أمريكا تفكيك جبهة النّصرة لأهل الشّام، وهي فرع تنظيم القاعدة في سوريا بقيادة أبي محمد الجولاني الذي قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بإيفاده إلى سوريا لهذا الغرض مع عدد من قادته المتمرّسين في العراق. أمريكا التي كانت تحارب الإرهاب في العراق باسم تحريره منذ 2003 فشلت أيضا في أبريل/نيسان 2013 في لجم نشاط الإرهابيّين الذيّن أعلنوا تأسيسهم لتنظيم "الدّولة الإسلامية في العراق والشام"، كما فشلت في وقف انضمام أغلب المقاتلين الأجانب في جبهة النصرة إلى تنظيم "داعش". فهل كانت أمريكا تدفع نحو الانفصال العلني بين القاعدة وتنظيم "داعش"؟، أم أنّها كانت تريد القضاء على التنظيمين بحجر واحد، وهي التي جعلت نفسها في موقف المتهم بأكثر من تهمة؟. هل كانت أمريكا تدعم فصيلا على حساب فصيل آخر؟، هل ساعدت أمريكا وسمحت وفق أجندتها الزمنية بمطاردة تنظيم "داعش" لجميع الكتائب والفصائل المعارضة الأخرى وعلى رأسها النصرة، مما جعله يحكم سيطرته على كل المناطق الممتدة من الحدود السورية العراقية حتى أطراف مدينة حلب شمالي البلاد؟.
(6)
أين المسلمون والعرب من كلّ هذا؟.
إنّه آخر الأسئلة التي يجب علينا إيجاد أجوبة لها، فصورة المسلمين والعرب هي صورة الجسد الممزق، الجسد غير القادر على فعل شيء إزاء تفشي المرض بسرعة أكبر من الموت. لا وحدة في الأفق، لا تكامل للذات، لا تماسك ولا إنتاج للأفكار والقيم، إنّها الرّغبة في الموت البطيء، إنّه الانتحار أمام الخطاب الإيديولوجي للتنظيمات الإرهابية المتطرّفة، إنّه الاغتراب والانقسام والنزوع نحو العدوانية بمختلف أشكالها لمواجهة السقوط في الماء والغرق. لم يعد أمام المسلمين والعرب سوى البحث عن طريق للوجود أو الرضا بالمصير المحتّم، علينا جميعا البحث عن مخرج آمن حين تصطدم قوى الطبيعة(الجسد) مع قوى الثقافة(اللغة)!.  




[1] Tristes tropiques, Paris, Plon. 1955 ;nouv. éd, Plon1984.
[2] فرويد، سيجموند(1932): ترجمة أحمد عزت راجح: محاضرات تمهيدية جديدة في التحليل النفسي، القاهرة، مكتبة مصر
أبناءُ الغُول داعش، مُهرّجون أم آكلو لُحوم البشر؟.. أبناءُ الغُول داعش، مُهرّجون أم آكلو لُحوم البشر؟.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 7:13:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات