إعلان 728x90

في الحديث عن الشّعب و "الغاشي"[i]..



في الحديث عن الشّعب و "الغاشي"[1].. *

عندما أستيقظ صباحا وألقي نظرة على الخارج من وراء النّافذة أحسّ إحساسا غريبا وأشمّ ريحا مختلفة، ينتابني شعور بالرّغبة في الكلام، حديث لا ينتهي يدور في مخيّلتي ولا يجد له آذانا صاغية، وحدها جدران صدري و رجع الصدى يؤكّدان لي أنّني فعلا تكلّمت  أو أكاد !.. هي حالة غريبة، لكنّها ليست شاذّة بكلّ تأكيد؛ عندما أتكلّم فمعنى ذلك أنّ روحا دافعة، قويّة، خفيّة، قادرة على النّشاط تفعل ذلك بوعي منّي أو دون وعي، لا يهمّ كلّ هذا إذا ما تحقّق الإدراك في النّهاية؛ إدراك الصّوت المصرّ على الانفلات بحثا عن آذان تعقل و قلوب تصغي، و عقول تقوم بالإرصان.

ما دعاني للحديث هو محاولة إمساك العلاقة بين الشّعب و "الغاشي"، أقصد جدلية العلاقة بين شعب لا يزال يشعُر بالغربة و عدم الانتماء في وطنه، يشعر بالاستعمار، بالظلم، بالإهانة، بالفروق الواضحة بين أفراده؛ شعبٌ لا يزال يبحث عن استرجاع حقيقيّ لسيادته، لهويّته التي أبت الاكتمال و الرّجوع إلى الأصل و الانطلاق و الاستمرار في التّشكّل لا التشوّه؛ هذا الشّعب الباحث عن لملمة شتاته، و كتابة تاريخه، وقراءة فصول روايته التي يشعرُ بتمزّق صفحاتها، و ترهّل أجسام و نفسيّات أبطالها؛ إنّني أتحدّث هنا عن الشّعب الجزائريّ الذّي قال فرحات عبّاس يوما عنه بأنّه لم يجد له أثرا، فهل قدر هذا الشّعب أن يبقى دون تعريف و لا أثر؟.

إنّ ما يسمّى بالشّعب الجزائري تطلق عليه الطبقة البرجوازية لقب "الغاشي"، هذه الكلمة العامية التي لا نجد لها تفسيرا في قواميس اللغة العربية إلاّ إذا قاربنا بينها و بين لفظة الفعل غشي، يغشى، غشيانا.. الشّعب أو "الغاشي" في لغة  الجزائريّين أو كما درجوا عليه كأنّما هو اللّيل إذا أظلم، كأنّما أصابه ما يغطّي فهمه، إنّ لفظة "الغاشي" تحتمل تقريبا كلّ المعاني الواردة في تفسير الفعل"غشي"، حيث يعني الإغماء، و فقدان الصّواب، و الضّرب و المباشرة و الملابسة. لقد اختار البرجوازيون هذه العبارة لوصف حركة لا تنتهي إلاّ بطلوع شيء ما، بظهور أمر آخر، كأنّهم يخشون هذا "الغاشي" فينعتونه بهذا الوصف فيزيدوا من خموله و تكاسله عن واجباته، كأنّهم يريدون له الموت لتكتب لهم الحياة؛ كأنّه خوف الجموع من الجموع؛ في حياة الشّعب موت و انتهاء البرجوازيّين و في موت الشّعب أو الإغماء عليه أو فقدان صوابه حياة هؤلاء(البرجوازيّين).

إنّ ما يسترعي الانتباه هو صمت المثقفين حيال هذه الموقف أين اختار كثير منهم التخندق مع البرجوازيين رغبة منهم في اكتساب مكانة اجتماعية محترمة، و هم بفعلهم هذا اختاروا العيش بعيدا عن الشّعب"الغاشي"، و الاقتراب من البرجوازيّة و البروج العاجيّة. إنّ دور المثقّف هو صناعة وعي المجتمع، حيث المثقّف ضمير الأمّة و حارس القيم، أمّا أن ينحاز لقوى دون أخرى و يمارس براغماتيّة و شوفينيّة في تعامله مع قضايا مجتمعه و بيئته فهذا لا يجعله يكسبُ احترام الآخرين له، و لا يجعله يحصل على التّقدير اللازم من المجتمع نفسه، حيث ينزع أفراد هذا المجتمع بمرور الوقت إلى عدم الاعتراف بدور المثقف الذّي يصبح في مثل هذه الحالات كالجسم الدّخيل غير المرغوب فيه.

لقد حان الوقت لتصحيح المفاهيم و إعادة كثير من الأمور إلى نصابها؛ إنّ بناء المجتمعات و الدول الحديثة يمرّ عبر تضافر جهود الجميع من أبناء المجتمع، أمّا أن يعيش أفراد المجتمع في جُزر متقابلين فلن يتمّ الالتقاء و الاتّحاد يوما.






[1] الغاشي: كلمة في  العامية الجزائرية تحمل معنى الشّعب
في الحديث عن الشّعب و "الغاشي"[i].. في الحديث عن الشّعب و "الغاشي"[i].. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 11:12:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات