إعلان 728x90

اللاّوعي السّياسي و الرّغبة عكس القانون..


اللاّوعي السّياسي و الرّغبة عكس القانون..
يعرف المجتمع العربي مخاضا عسيرا على طريق بناء الدّولة الحديثة، ها هو الإنسان العربي يحاول تجاوز حالة الاغتراب و يرغب في التنمية و الثّورة على النظم المستبدّة.. ها هو الرّبيع العربي يزحف نحو آخر قلاع الدكتاتورية و الاستبداد؛ ها هو يعرّف بمعنى الحق في الحياة؛ ها هو العصر الفاسد يقارب على الانتهاء و ها هي الشّعوب ترغب عكس القانون، و ها هم النّاس يرغبون أخيرا في الحرية. بين هذا و ذاك يجب أن نطرح تساؤلا مهمّا: كيف استطاع الإنسان العربي أن يتخلّص من عقدة الخوف و ينتفض من أجل استرداد حقوقه؟، هل كان تشكلّ الوعي السّياسي نتيجة تراكم لاوعي سياسي دفع نحو الرّغبة عكس القانون؟..

1.
أؤمن اليوم و أكثر من أيّ وقت مضى بالميلاد الجديد، أعتقد جازما أنّ ساعة الحقيقة قد دقّت.. لا خوف بعد الآن:
نبتة عارشة تغطيّ على غابة السّلطاء
ها الخلاص !
ها أنتم اخرجوا الآن أيّها البسطاء
انظروا قوس قزح
كم تلوّن بالبياض
انظروا سلالة النّار كيف التهمتها الشّمس
نتانة تنتشر
ظرابين تحتضر
لا خوف بعد الآن
هكذا قلت يوما، و ها هو المستحيل أصبح ممكنا، و اليوتوبيا التي حلمنا بها قد قاربت على التحقّق. يقول الأستاذ جودت سعيد في مداخلة بخصوص كتاب : مقالة في العبودية المختارة لآسين لابويسيه : "ونحن العرب علينا فوراً أن نختصر التاريخ ولا نكرّر الأخطاء، يكفي نجاح واحد لتثبت السنة والقانون وينبغي أن نذكّر العرب بهذا الذي يحدث أمامهم من الاتّحاد الأوربي وتخلّيهم عن العنف، لأن الدّيمقراطية  لن تدخل عالماً يعتمدون فيه على العنف لا بدّ أن يعلن جميع الأطراف عن إيمان بتخليهم عن العنف ولجوئهم إلى الإقناع".. هكذا نريد التغيير هادئا سلميّا دون عنف، لكنّ الحكّام يصرّون على البغي، يكفرون بالطّبيعة و يلجأون للطغيان.
2.
من المهم بالنّسبة لأيّ مجتمع الحفاظ على نمط السّلطة القائم بشرط أن يتوفّر العدل و يحترم حق الإنسان في الحياة، حق الإنسان في التعبير عن الذّات، هذا ما لا يتوفّر في بعض المجتمعات التي تعاني غطرسة السّلطة، و دكتاتورية الحاكم الواحد( سيّد واحد )، لا سيما ما هو موجود في المجتمع العربي. إنّ القانون عبارة عن مبادئ تؤسّس للعلاقات الاجتماعية و ليس وسيلة لاضطهاد النّاس؛ إنّ هذه المبادئ تجعل وجود المجتمع ممكنا.. إنّنا نسجّل مُمارسة الوظيفة الأبوية على الشّعوب العربية حيث تجاوز الحكّام حدودهم إلى ممارسة دور الأب التّشريعي المُحرِّم، ها هو الحاكم العربي يرى في نفسه القانون ذاته، حيث يلغي كلّ أشكال المحاسبة ضدّه ( لا يُحَاسَبُ الرّئيس أو الأمير أو الملك لأنه فوق القانون، بل هو القانون نفسه)، و هنا تنتفي صفة المواطنة في الحكّام، و يبدأ أفراد المجتمع يرون في هذا الأمر خرقا للعقد الاجتماعي، حيث تظهر دياليكتيكية " الرّغبة عكس القانون"، القانون يعني التحريم و الرّغبة تعني تخطّي التحريم و انتهاك حدوده. 
3.
لقد قدّم جاك لاكان (محلل نفسي فرنسي) تنظيرا للرّغبة عكس القانون مركّزا على شرح و تبسيط ثلاثة مفاهيم أساسية متمايزة عن بعضها البعض: الحاجة، الطّلب، الرّغبة.. الحاجة تتطلبّ الإشباع و الطّلب هو التعبير اللفظي المنطوق عن الحاجة، و الرّغبة هي مخلّفات الحاجة و الطّلب الذّي لم يشبع. تتشكل الرّغبة داخل دوائر اللاوعي و تبدأ في القيام بحركة نفسيّة مستمرّة قصد الإشباع، ترتبط الرّغبة برباط لا خلاص منه و لنشبه هذا الرّباط بثعبان هائج يبحث عن الطّعام يبقى مستمرّا في الحركة و الدّوران حول نفسه و حول الأشياء المحيطة به حتّى يحقق الرّغبة، هذه السّيرورة النّفسية هي التّي تفسّر لنا خيارات النّاس السياسيّة و أفعالهم و اتّجاهاتهم؛ إنّ ما يسمّى وعيا سياسيا هو بالحقيقة لاوعي، أو لنقل هو وعي ناقص، غير مكتمل، جزئي، غير مترابط، لكنّه يبقى يبحث عن الاكتمال انطلاقا من اللاوعي. إننا عندما نراقب أو نطلب من أفراد مجتمع ما التعبير عن معتقداتهم السياسية كثيرا ما تكون إجاباتهم غير صادقة أو حقيقيّة، لا تعبّر عن درجة رضاهم و سعادتهم بالاختيار لكنّهم يلجأون لأفعال التغطية على الحقيقة باللجوء إلى التّضليل و ذلك بإظهار الصبر على الطاغية و عدم مواجهته و احتمال الأذى منه، خشية من جبروته و خوفا على حيواتهم، و أحيانا أخرى تجدهم يظهرون بمظهر المؤيدين للزعيم الأوحد معتقدين بأن القضية متّصلة بالكبرياء العرقيّة أو الوطنية على الرّغم من إيمانهم الدّاخلي الرّاسخ بوحشيته و عدم أهليته في حكمهم و حتّى عدم شرعيته؛ إنّه الجبن في أقصى درجاته ( هذا ما حدث و لا يزال في المجتمعات العربية بمختلف أنواعها: مجتمعات تعدّدية، فسيفسائيّة، متجانسة).
4.
تقع الرّغبة ما بين الحاجة و الطّلب بل تولد ما بينهما، الرّغبة ذات علاقة مع الهوام لا الواقع، تهدف إلى فرض ذاتها دون الأخذ في الحسبان لغة الآخر و لاوعيه؛ إنّ الرّغبة تستدعي اعترافا قاطعا من قبل الآخر؛ ولنضرب هنا مثالا على مجموعة من الأفراد الذّين كانوا يعيشون تحت ظل حكم طاغية من الطواغيت المتجبرين الدكتاتوريين و ليكن مثلا حاكما من الحكّام العرب الذّين تمت تنحيتهم بفعل الثّورة، ألا نرى بأنّ أفراد المجتمع يقومون بصورة عفوية و تلقائية بتصوير الحاكم المخلوع بأقذر الصّفات و النّعوت حيث يعتبرونه دون مرتبة الإنسان، لا أخلاقيا، مجرما، قاتلا يستحقّ أن ينكّل بجثته في الشّوارع جزاء بما فعل؛ إنّهم نفس المواطنين الذّين ارتضوا بحكمه طيلة سنوات طويلة، هم أولئك الذّين كانوا يمجّدون اسمه، و يدعون له، إنّه نفس الشّخص الذّي سحرهم و أخذ بعقولهم دهرا من الزّمن، ها هو التّملّص الدّفاعي من نقد الذّات يجعلهم يتّجهون إلى رمي إلاههم السّابق بالفساد و الجنون. إنّنا في المجتمع العربي نفتقد إلى ميكانيزمات صناعة الوعي السّياسي عكس ما يحدث في الغرب حيث يعدّ وعي الإنسان للمستقبل و فق مخططات محدّدة بدقّة يساعد على إنجازها علماء النّفس و الاجتماع و الأنثربولوجيا و كلّ الفاعلين في السّياسة و الاقتصاد و غيرها؛ إنّ الوعي السّياسي يصنع في المختبرات أوّلا و يوجّه نحو بناء اللاّوعي الفردي و الجماعي لصناعة المواقف السّياسية من خلال ترسانة كبيرة من الأدوات و المخططات..
       لقد حان الوقت لنتخلّى عن فكرة المؤامرة و نتجّه للاستثمار في الإنسان، لقد آن أوان بناء الإنسان، دعونا ندعو إلى ضرورة تغليب مصلحة الفهم و الكشف على الرّغبة في إرضاء المناضلين السياسيين بواسطة تقديم تعليلات ديماغوجية سهلة على حد قول محمد أركون. علينا أن نرغب في التغيير و لا ننتظره، علينا أن نتعامل مع معطيات الراهن بأكثر جرأة و نكون في مستوى التحديّات التي تنتظرنا، لقد حان أوان بناء الدولة الحديثة التّي تحترم حقوق الإنسان، دولة الديمقراطية و المجتمع المدني.
قلم: أحمد بلقمري
اللاّوعي السّياسي و الرّغبة عكس القانون.. اللاّوعي السّياسي و الرّغبة عكس القانون.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 3:08:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات