إعلان 728x90

حديثُ في الثّورة: مع/ضدّ؟..


حديثُ في الثّورة: مع/ضدّ؟..
أحمد بلقمري
جمعني حديث منذ أيّام مع أحد الأصدقاء المختصّين في علم النّفس بخصوص رأيي فيما يعرف بالرّبيع العربي أو الثّورات العربيّة كما يروّج لها الإعلام، فما كان منّي إلاّ أن أجبت صديقي باختصار شديد: أنا مع الثّورة؛ كانت إجابة مربكة نوعا ما و سريعة جدّا، حتّى أنّ صديقي حاول فهم ما يجول بخاطري، فهمت أنّه يريدني أن أوضح له وجهة نظري أكثر عندما سألني: و هل تعتقد بأنّ هذه الثّورات ستنجح في ظلّ غياب النّضج؟، ألا تعتقد بأنّ الجماهير الغاضبة التي خرجت إلى الشّارع ستصطدم بواقع غياب البديل مع مرور الوقت؟.. لم أتردّد في كشف بعض الحقائق لصديقي حتّى يتم استيعاب وجهة نظري، قلت له:

لنتفق أوّلا يا صديقي على أنّ هذا الحراك في الدّول العربيّة لم يأت من فراغ حيث هناك قوّة تحرّكه، هناك ما يعرف برغبة عكس القانون تدفع نحو التحرّر من هذه النّظم البائدة و المعادية للإنسان، هذا ناتج عن عدم تمتّع الأنظمة الحاكمة بالشّرعية حيث نجد أنّ معظم أنظمة الحكم المتواجدة جاءت في ظروف معيّنة( في الغالب بعد استقلال الدّول)، و هو ما فرض نوعا من الأمر الواقع على هذه الشّعوب، و بمرور الوقت استبدّ هؤلاء الحكّام بالرّعيّة، فصار هذا الحاكم الرّاعي ينظر إلى الرّعية بمنطق السيّد و العبد، هذا المنطق خلق ما يعرف بنموذج القائد المسؤول الذّي لا يسأل، و الذّي تنتهي مسؤوليته بوفاته أو قتله مثلما قال مصطفى صفوان[i] في مقال له، هذا الحاكم يرى في كلّ شكل من أشكال معارضة نظام حكمه خطرا و تهديدا لوحدة الأمّة فتراه يتصرّف برعونة و صلف كبيرين فيقمع هذه الحركات المناهضة، و يتّجه لاستخدام القوّة و العنف لوأد مثل هذا النّوع من القوى، هذا من جهة. و من جهة أخرى، نجد أنّ الشّعوب الآن في هذا العصر قد اكتسبت وعيا من خارج الدّوائر المرسومة لها في أوطانها، هذا الوعي تشكّل و لا يزال عن طريق وسائل الإعلام و التكنولوجيّات الحديثة للإعلام و الاتّصال، قد تقول لي: كيف وصل هذا الوعي للنّاس و الحكّام يلجأون إلى سياسة تجهيل الرّعية، و عدم منحهم القدر الكافي من التّعليم حيث يرزح كثير من المواطنين تحت ظلّ الأميّة في عديد البلدان العربيّة، و حتى الخطابات المتّجهة لاستغباء الإنسان منذ سنوات طويلة قد خلقت إنسانا متوقّفا غير قادر على الحركة؟.  سأجيبك قائلا يا صديقي بأنّ أنظمة الحكم العربيّة أغبى ممّا نتصوّر، فالغول الذّي يخوّفوننا به ما هو إلاّ صنيعتنا نحن. قل لي بربّك: هل تعتقد بأنّ هؤلاء الحكّام يدركون حقّا خطر الأنترنيت على بقائهم في الحكم؟. هؤلاء الحمقى أغلقوا و جفّفوا كلّ منابع الوعي منذ سنوات عديدة بتأسيسهم للجهل و تكريسهم للرّداءة و قتل روح المبادرة و الابتكار و تغييب العدالة وتكافؤ الفرص لكنّهم فتحوا حنفيّة الأنترنيت ليشرب منها الجميع دون وعي منهم. هؤلاء الحكّام نسوا أنّ العالم يتغيّر و يتطوّر من حولهم، نسوا أنّ المشاركة صارت لغة العالم الوحيدة، لم يقدروا على استيعاب هذا الكمّ الهائل من المعلومات المتدفّقة، و بالتّالي ظهر جيل جديد لا يقبل بقواعد اللّعبة القديمة، بدأ في تنوير المحيطين به فصار كلّ فرد واعي يهتمّ بنشر الوعي من حوله، نشر الثقافة و المعرفة بدأ من الفرد نحو محيطه، وهكذا تشكّلت نواة المقاومة ضدّ اللاعدل، ضدّ الدكتاتورية، ضدّ الأنظمة المعادية للإنسان. سألني صديقي إن كانت هذه الانتفاضات أو الثّورات ستكلّل بالنّجاح فأجبت : طبعا، بكلّ تأكيد يا صديقي. انظر للحالة التّونسيّة، شاب تونسي من عمق الرّيف يفجّر ثورة قضّت على حكم بائد ظلّ متحكّما في أرزاق النّاس و أعناقهم، ظلّ مسفّها لأحلامهم، صادر حقّهم في الحياة، هذه الأنظمة المتوحّشة كانت قادرة على فعل أيّ شيء للبقاء في السّلطة، كانت و لا تزال مستعدّة لقتل الفكرة في بدايتها، هي أنظمة موالية لمن يستطيع تمديد العمر الافتراضي لها، ولاء الحكّام هنا لمن يقدّم أحسن عرض للحفاظ على المكتسبات، للبقاء في سدّة الحكم لأطول فترة ممكنة. هؤلاء الحكّام خلقوا طبقة من الانتهازيّين تملك القّوة و المال و النفوذ، هذه الأخيرة مهمتها الأساسيّة الدّفاع عن الحاكم و الانتصار له مهما كلف ذلك من ثمن، و الأمر الأكثر خزيا و عارا هو استعانة الأنظمة البائدة بالقوى الأجنبيّة إن كانت تمنح هذه الخاصيّة أي الاستمرار في الحكم. هناك أمر وددت الإشارة له، هذا النّوع من الأنظمة مستعدّ لتقديم الولاء دون مقابل للقوى العظمى في العالم لأنه لا يتمتّع بالشّرعية، فهو عاجز أمام أمريكا مثلا أو فرنسا أو روسيا و حتّى إسرائيل، تابع لها و هنا يجب الإشارة إلى معنى عميق يستشف من هذه الحقائق، هو ذلك المتعلّق بالدّيمقراطيّة. الدّول و القوى الأمبريالية تدرك جيّدا بأنّ الأنظمة التّي حكمتنا منذ عهود آيلة للزّوال لأنّها غير ديمقراطية، و بالتالي هي مهدّدة بالسّقوط في أيّة لحظة، لكنّها و حفاظا على مصالحها كانت تغطّي على الواقع لتستنزف خيرات هذه الدّول و توجّهها وفق ما تقتضيه مصالحها إلى حين.
في الأخير يا صديقي نستطيع الآن فهم حقيقة ما يعرف بالرّبيع العربي، ما وراء الرّبيع يبشّر بالخير، و الثّورة ستنضج بمرور الوقت، و أنظمة الحكم المستقبلية ستتّجه نحو الدّيمقراطيّة، لأنّ زمن الاستبداد قد ولّى و عقدة الخوف صارت من الماضي، البديل و القيادة المستنيرة ستستمدّ شرعيتها من الشّارع، و ستستمر في الحكم بإرادة الشّعوب، لقد حان الوقت للشّعوب أن تتخلّص من زمن العبوديّة المختارة و تنخرط في بناء مستقبل حالم على أسس ديمقراطية تحترم حق الإنسان في الحياة.
قلم: أحمد بلقمري


[i] عالم نفس مصري شهير
حديثُ في الثّورة: مع/ضدّ؟.. حديثُ في الثّورة: مع/ضدّ؟.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 11:06:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات