إعلان 728x90

رصاصَةٌ واحدةٌ تكفي..


رصاصَةٌ واحدةٌ تكفي..
سفيان مقنين
من محاسن العمل الصحفي بعيدا عن متاعبه التي تكاد تكون صفة لصيقة بهذا العمل إن لم تكن هي العمل ذاته، هو أننا نلتقي أحيانا وعلى انفراد ولمدة طويلة بشخصيات لا يمكن للناس العاديين أن يلتقوا بها لخمس دقائق متتالية بسبب انشغال هذه الشخصيات بأعمال ومهمات كبيرة لا تترك لها الوقت الكافي للجلوس أو التحدث والدردشة مع الجميع،بل يكاد الوقت يكون أغلى ما تملك هذه الشخصيات في الحياة بعد الحياة نفسها
.
التقيت مؤخرا بشخصية جزائرية متميزة، إعلامي وكاتب جميل، صاحب لغة راقية لا يحتويها الوصف اللغوي ولا الفني، هو بالنسبة لعالم حياتنا اليومية التي نحياها في هذا البلد قادم من عالم آخر بتصورات أخرى، شكّلتها أسفاره وتنقلاته وتجاربه الإنسانية المثيرة  داخل الوطن وخارجه، مع أفراد من مختلف الألوان والأشكال والألسن والأديان.
اكتشفت من خلال دردشتي مع هذا الجزائري، الذي أشعرني بروعة أن تنتمي لهذا البلد مهما كنت قريبا منه أو بعيدا عن حدوده، أن في الطبيعة  الإنسانية لونان أساسيان هما الأبيض والأسود، ولون آخر لا يقل أهمية  عنهما، هو اللون الرّمادي الذي اتخذته أمم أخرى قاعدة للانطلاق وفضاء للاتفاق.
سويعات قليلة مع هذه القامة الإنسانية الكبيرة  كانت كافية وضرورية كي أطلع فيها على جهلي بأشياء كثيرة لم أكن أفهمها أو فهمتها بشكل خاطئ لزمن طويل،لقد كان يملك نظارات أخرى غير تلك التي نرى من ورائها واقعنا وذواتنا كل يوم،نظارات ترى الحياة بشكل أشمل وأعمق وأدق مما كنا نعتقده لحد الآن، أما نظراته فكانت تتابع عن كثب سرعة التحولات الإنسانية داخل هذا الكون الواسع.
اكتشفت رفقة هذا الجزائري الأمريكي أن الفقر والغنى والجهل والمعرفة  وكل العوامل الموضوعية الخارجة عن نطاقنا مجرد ظروف تحيط بذواتنا، لكن الذات هي من ترتكب الخطأ في النهاية، لذلك يجب أن نكف عن البحث بعيدا و ندرك أن مشاكلنا بداخلنا وكذلك حلولها. 
عرفت من هذا الذي زار كل قارات العالم أن  الإنسان حين يسافر يدرك  في الأخير أن أضيق شيء في العالم هو العمر، فعمر الإنسان  في حقيقة الأمر ضيق جدا ، يتجاذبه العمل و الأصدقاء والعائلة والرياضة والهواية والمطالعة والسفر... بينما نملك هنا فائضا كبيرا من الوقت يتسلمه الملل والضجر والسخط على كل شيء وعلى اللاشيء.
فهمت من صاحب رواية "رصاصة واحدة تكفي" أننا لن نتقدم إلى الأمام بعقول تبرّر بل بعقول تفكر وتدبّر، فقد ضيعنا كل جهودنا في التبرير  بدل التفكير ثم التدبير، بشكل  جعلنا ننظر إلى أنفسنا وكأننا شعب محكوم عليه بأن يدفع إلى الأبد  ثمن أخطاء الآخرين مهما كان هؤلاء الآخرون: تاريخ، جغرافيا، اقتصاد، مناخ، صدفة...الخ.
مبدع برنامج "مرايا" وضعني أمام  مرآة  رأيت من خلالها أفراد هذا المجتمع  الجزائري الذي نعتز جميعا بالانتماء إليه، كما لم أراهم من قبل. رأيت أفرادا تعساء وعدوانيين، مغرورين  ومتسرّعين،  لا يستمعون إلى بعضهم البعض ولا يملكون سلاما داخليا لا مع أنفسهم ولا مع السّماء ولا مع الطبيعة. أفراد لا يتمعّنون فيما بداخلهم وما حولهم من معاني الحياة، وهم في عداء مستمر ضد أنفسهم وضد أشكالهم وألوانهم، غير راضين عن بلدهم وأوضاعهم وكل ما يحيط بهم، لكنهم لا يقومون بشيء من أجل تغيير ذلك بمحبة وهدوء وصبر. رأيت  أفرادا بداخلهم كمية كبيرة من العنف والكراهية ولّدتها تراكمات طويلة لكنهم لا يفعلون  شيئا للتخلص منها، بل  يرى بعضهم في الحفاظ عليها مظهرا من مظاهر الكبرياء والكرامة والوطنية. رأيتهم  يعطون معاني سخيفة لقيم إنسانية سامية، فيرون المحبة  ضعفا والدمعة خوفا والرقة  سخفا والكلام الطيب زيفا، ولا يجب لكل ذلك أن يظهر أمام الملأ. رأيتهم عاجزين عن  تذوق الحياة بكل معانيها الجميلة مع أنهم يملكون بلدا واسعا، آمنا ومتنوعا. رأيتهم رافضين لتحرير الفكر والعقل والقلب والجلوس إلى بعضهم البعض للتحدث في سماحة  ولطف. رأيت بداخلهم كتلا ضخمة من القوالب الجاهزة لأفكار ومواقف لا تقبل النقاش أو التعديل أو الإثراء. رأيت في تلك المرآة أفراد مجتمع قاسٍ على نفسه لحد الإجحاف في حق إنسانيته وقاسٍ على باقي المجتمعات لحد إنكار إنسانيتهم. مجتمع لا يصارح ذاته ولا يتصالح معها ويرفض الاعتراف بتنوعه وثرائه وخصوصية كل شبر من هذه الأرض الطيبة التي يحيا فيها. لكن أجمل صورة في تلك المرآة كانت صورة لشعب رومانسي أيضا قدم  في وقت مضى من تاريخه وعن طيب خاطر، ملايين الشهداء كي تعيش ملايين أخرى في كنف الحرية  والسلم.
ابن القرية الذي قرأ كتبه الأولى تحت ضوء قنديل الزيت، أشعل بداخلي فانوسا اسمه الحلم، فلكل أمة حلم تعيش لأجله تقاوم لتحقيقه وتموت من أجله أيضا، كلمة "الحلم" تكرّرت كثيرا في جل أحاديثه، فهي كما قال أعظم كلمة قيلت في التاريخ الأمريكي، نادى بها مارتن لوثركينج  ذات مساء وتحققت بعد عقود من الزمن  حين دخل إلى البيت الأبيض رجل أسود.
رابح فيلالي هذا الشاهد على ما وصلت إليه مجتمعات إفريقية من رقي وتطور في تشييد البنيان وبناء الإنسان، والتي  كانت  منذ سنوات تبيد بعضها البعض في حروب أهلية طاحنة، أخبرني في كلام موجز أن الحياة لا تستحق منا كل هذا التجهم والعبوس والانزعاج والاشمئزاز الذي يسكن النفوس ويرتسم فوق الوجوه، خاصة حين نرى كيف يحافظ الهنود البسطاء على ابتساماتهم رغم أنهم لا يملكون أقوات يومهم وعيالهم، ونشاهد كيف تحافظ مجتمعات إفريقية بائسة على نظرتها التفاؤلية للحياة رغم التعب وقسوة ظروف العيش، وكيف عجزت برودة جبال أفغانستان في إذابة الدفء الذي يسكن مشاعر تلك الشعوب المقهورة التي تنتشر في وديان وسفوح تلك الجبال. كنت أشعر أنه كان يحس بكل كلمة يقولها و كل عبارة ينطقها و كل فكرة يشرحها، خاصة وأنه كان ولوقت طويل جزءا من تلك المشاهد التي يرويها، وبطلا من أبطال تلك الحكايات التي تقع غالبا وراء الكاميرا لا أمامها.
أبرز مراسل حربي في قناة الحرّة كان يغطي الحروب بصوته وصورته لكنه يغني للسلام والمودّة بكتاباته وكلماته، تمنيت بصدق أن يطول به المقام بيننا، وكان أن استجاب الله لذلك فتأخّر عن طائرته بيوم واحد، وعاتبني بمحبة على ذلك، قبل أن يقبل عن طيب خاطر أن يجيبني  من جديد عن الكثير من تساؤلاتي والتي كنت أحرص فيها على أن يكون السؤال قصيرا، فالدقيقة مع فيلالي من المهمّ أن نستهلكها في الاستماع إليه، لا في الحديث معه.
آخر نصيحة تركها لي هذا الإعلامي المتميز هي أن أقرأ حتى أموت، وآخر ما طلبته منه هو أن يكتب حتى يموت، وحتى لا يموت أيضا، فإن كانت الرصاصة الواحدة تكفي لقتل من لا يكتب فالرّصاصة الواحدة لا تكفي، بل الموت بكامله غير كافٍ، لقتل من يكتب.
سفيان مقنين/ صحفي التلفزيون الجزائري

رصاصَةٌ واحدةٌ تكفي.. رصاصَةٌ واحدةٌ تكفي.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 12:40:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات