إعلان 728x90

الجزائر: إلى أين تتّجه؟!!.



الجزائر: إلى أين تتّجه؟!!...*
في عالم يفيض بسكّانه، يموج بالتغيّرات و الاضطرابات لا يزال لسان حال الجزائري البسيط يتساءل عن مصير بلاده: إلى أين تتّجه الجزائر؟!!.. كلّ الذّين تعاقبوا على إدارة شؤون البلاد ما فتئوا يجيبون الشّعب الجزائري منذ استرجاع السّيادة الوطنيّة و إلى غاية اليوم: الجزائر بخير، فهل هي كذلك حقّا؟...
تشخيص الحالة الجزائريّة؟...
الجزائر البلد القارة بحجمها و بالموارد الطبيعية و البشريّة الكبيرة التّي تكتنز عاجزة عن الإقلاع نحو التقدّم منذ ما يربو عن أربعين سنة، مشكلات تتخبّط فيها الجزائر بداية بمسألة الهوية و الاندماج الاجتماعي، مشكلات عميقة و خلل في البنى و المؤسسات الاجتماعية، صراعات سياسيّة خفيّة و ظاهرة بين مختلف القوى و الطّبقات، انهيار لمخزون القيم الاجتماعية و ظهور ما يعرف بالقيم المضادة للمجتمع كالاتجاه إلى تدمير الذّات (ظاهرة الانتحار حرقا/ الإرهاب/ الهجرة غير الشّرعية...)، ضعف كبير جدّا من النّاحية الإبداعيّة في ظلّ تغييب و استبعاد الطّاقات الخلاّقة بفعل مختلف السّياسات المنتهجة في عديد القطاعات... و غيرها من الأسباب التّي جعلت الجزائريّين يشكّكون في قدرة البلد على تجاوز هذه الحالة الغريبة و الاتّجاه نحو ضمان بيئة مأمونة و معطاءة للأجيال القادمة.
إنّنا إذا أردنا إيجاد حلول ناجعة لمختلف المشكلات التي جعلت الجزائر لا تقلع حضاريا كان لزاما علينا الاتّجاه أوّلا إلى دراسة الفرد الجزائري، سيكولوجيّته، تحديد هويّته (الهويّة الذاتية و الهويّة الجماعيّة)، تحديد الحدود و تنظيم الأعمال ضمن الجماعات و بينها.. إذن سنكون في حاجة ماسّة إلى منهج علمي حديث يستطيع أن يمدّنا بالأدوات و الوسائل اللازمة للإصلاح، سنكون في حاجة لآراء المختصّين لتفكيك هذه الشّفرة العصيّة عن كشف أسرارها.. هذا أهمّ شيء يجب أن يتوفّر إضافة إلى الإرادة و الحماس الضروريين لتشخيص الدّاء و معرفة كوامنه بما يضمن وضع خطّة صحيّة و التّنبؤ بالحالة و استشراف المستقبل.
ماذا يحدث بالضّبط في الجزائر؟...
في الجزائر كلّ الأمور متشابهة حيث يسود منطق الغموض و اللّبس معظم الأشياء.. في الجزائر و منذ العام اثنين و ستين هناك اختلاف و صراع مستمر بين مختلف الأطياف حول مسألة اختيار النموذج التنموي الأنسب للحالة الجزائرية، هذا الصّراع المتواجد في أعلى هرم السّلطة انتقل ليفجّر كثيرا من البنى و الرّوابط و يفكّك عديد القيم على مستوى القاعدة، حيث ظهر الانقسام الواضح في مواقع الأفراد و الجماعات في البنى الاجتماعية، الاقتصادية و السياسية، وهو ما انعكس سلبا على مستوى الوعي و موضوع اختيار الإيديولوجيا المناسبة التي يلتف حولها الجميع و التي يريدها المجتمع لنفسه حتّى يتم اختيار البديل التنموي الأفضل في تغيير الواقع المتخلّف. إنّه من الواجب اليوم أن نقرّ بأنّ الجزائريّين قد فشلوا في اختيار النّموذج الثّقافي العلائقي الأنسب لاستخدامه في دفع عجلة التنمية و الإقلاع الحضاري، و الأسوأ من كلّ هذا أنّ النّظام القائم يرفض الاعتراف بهذا الفشل ويستمرّ في تغليط الرّأي العام الجزائري ويزجّ به في متاهات الخزعبلات غير المنتهية. إنّ صنّاع القرار في الجزائر وحدهم المسؤولون عن هذا الانهيار الكبير لدولة تمتلك كلّ مقوّمات الرقي و الازدهار لكنّ شعبها يعيش بين براثين  التّخلّف و الفقر. إنّ سياسة الإخفاء و التّعتيم على عمليّة القرار و التّي يمارسها صنّاعه لم تعد مناسبة للتغطية على الحقيقة في القرن الحادي و العشرين لأنّ التحديّات اختلفت و الرّؤى القديمة لم يعد لها أيّ وجود في عالم الحداثة و ما بعدها، لقد حان وقت المصارحة و المصالحة و دون هذا سيكون التحوّل الثّوري أهمّ سمات المرحلة القادمة.
هل سيكون الفساد وقود إشعال الثورة في الجزائر؟
إنّ المراقب للشأن الجزائري سيقف على حقيقة مطلقة مفادها أنّ انفجار الصّراعات السياسيّة الموجودة في الخفاء و المتعلّقة بالموارد و توزيع المناصب (جوقة المصالح و اقتسام الرّيع) سيكون دافعا كافيا، قويّا و مباشرا لوضع الفرد الجزائري في موضع دفاعي من أجل استرجاع حقوقه المغتصبة، فهذا الأخير يشعر بالمرارة منذ أمد بعيد و هو يرى الوضع القائم يتّجه من السّيئ نحو الأسوأ( الخرق المستمر للدّستور من طرف المسؤولين عن حمايته/ الانتهاك الصارخ للحقوق و الحريّات الأساسيّة للمواطنين/ الفساد المالي و الإداري/ غياب البديل التّنموي...). إنّ سياسة ترك النّاس في الظلام و الحكم للمتمرّسين ستقضي على أحلام هؤلاء ( أي المتمرّسين) في ظلّ تدني مواقع الأفراد و الجماعات البسيطة( الطبقات الكادحة و المتوسّطة) و هو ما سيؤدي حتما إلى رفض النظام القائم و الكفاح من أجل تغييره، ولو تطلّب الأمر خوض معركة كرامة بعيدة الأمد.
إقامة نظام جديد و جمهورية ثانية هو الحل..
إنّ حاجة الشّعب الجزائري لإقامة نظام جديد تزداد يوما بعد يوم، و هي رغبة متجدّدة تهدف لإنهاء حالة التبعيّة للآخر و تجاوز حالة الاغتراب، إنّ الجزائريّين اليوم  يدركون أكثر من أيّ وقت مضى بأنّ السّلطة ماضية في ممارساتها القديمة المتمثّلة في استغباء الشّعب من أجل الاستمرار في الاستيلاء على مقدّراته، وهذا في ظل غياب نيّة واضحة في الإصلاح الذّي لن يكون إلاّ بإحقاق العدالة، فّالدّيمقراطيّة مرتبطة بالحقوق و الحريّات و العدالة وحدها القادرة على ضمان تحقيقها، و دون هذا لن تكون الجزائر بخير.
 *نشر بصحيفة القدس العربي. العدد: 6996. 10/11 ديسمبر 2011
الجزائر: إلى أين تتّجه؟!!. الجزائر: إلى أين تتّجه؟!!. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 11:28:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات