إعلان 728x90

القصّ ذاكرة العرب

القصّ ذاكرة العرب
القاص عيسى بن محمود
بقلم: عيسى بن محمود/ 06 أفريل 2010
       كنا خلال بداية الأسبوع الجاري بمدينة سطيف نتناول القصة القصيرة في ملتقى وطني تحت شعار القصة القصيرة من التأسيس الى التجنيس ’ و مع أن الملتقى الذي كان يهدف الى الإعلان عن تأسيس جبهة كتاب القصة القصيرة في الجزائر ’ يخص النثر الفني إلا أنه أتاح زاوية لقراءة الشعر بل تردد أكثر من مرة : الشعر ديوان العرب ’ و هو ما دعاني الى البحث عن الحكي لدى العرب كذاكرة.
الشعر ديوان العرب ’ فأين موقع القصة منهم؟

        لاشك أن المتتبع للأدب الجاهلي يلحظ أن ما وصلنا من شعر وصل مكتملا بناء و عروضا و أبعادا و أغراضا و.., و بما أنه من غير الممكن أن تولد أول قصيدة هكذا بمثل هذا النضج ’ حتى قال قائلهم:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
فإن ما خفي عنا كثير و هو ما يجعلنا ننظر إلى جاهليتين:
- جاهلية معلومة و معروفة من المهلهل و هلم جرا توغلا في ظهور الإسلام و بداية انتشاره.
- جاهلية مجهولة غابرة لا ندري كم دامت و لا نوع الجنس الأدبي الذي ساد فيها .
        و تسليما بهذا فإن ما وردنا من الجاهلية المعلومة لا يمكننا من الجزم أن القص أو السرد أو الحكي لم يكن موجودا عند العرب لسببين:
أولا: ما وصل لا ينفي وجود القصص عند العرب
ثانيا: وجود القصص في الشعر العربي و هو الذي نركز عليه’حيث يأتي الشاعر بقصص لأحداث و مواقف ناسجا إياها شعرا موحيا موشى بالانفعالات و الصور ’ قد يظهر فيها البطل مثلما هو في القصة السرد تماما- الأعشى في السموأل- الحطيئة في طاوي ثلاث إلى أن نصل امن أل نعم لدى ابن أبي ربيعة مرورا بالنثر لدى ابن المقفع في كليلة و دمنة دون سجع و لا تقطيع إلى البخلاء عند الجاحظ أو فلننظر عنه: الحية و الفزع-عين الأفعى-معاذة العنبرية –كلام بكلام-كذب بكذب-وفاء الكلب-كلب يحسب لصا ’ دون التفصيل في فن المقامات , و سنتوقف عند قصيدة الجاهلي المسلم الحطيئة إذ أنه بإسقاط عناصر القصة الحديثة على القصيدة القصة نجد:
       الحدث الذي ينشأ من ضرورة إكرام الضيف و اليد قصيرة و مع أنه ليس من الضروري أن يكون بارزا في المقدمة غير أننا نلمسه في:
فلما بدا ضيفا تصور و اهتما و البداية تحدد نجاح القصة لأنها تحدد الحركة في القصة حيث يأتي على وصف البطل مع أسرته في خلاء بادية و قلة ذات اليد:
تفرد في شعب عجوزا إزاءها ثلاثة أشباح تخالهم بهما
حفاة عراة ما اغتدوا خبز ملة و لا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما
        بعيد عن الناس في منفرج بين جبلين مع زوجته و الأبناء تحسبهم ماعزا أو ضانا من النحافة حفاة عراة ما ذاقوا الخبز الذي مسه رماد حار و لا ذاقوا طعم الحنطة.
الحبكة التي تتضمن العقدة و يرى الكثير أنها بؤرة الصراع:
رأى شبحا وسط الظلام فراعه فلما بدا ضيفا تصور و اهتما
فقال ابنه لما رآه بحيرة أيا أبت اذبحني و يسر له طعما
     الرجل الذي ظهر و أخافه بدءا ضيف و العربي لا بد أن يكرم ضيفه و الحال لا تسمح و قرى الضيف اللحم ’ من أين له باللحم ؟
نظر الابن في وجه أبيه المتجهم:
       اذبحني يا أبي و وفر له مأكلا , لن يتقبل الرجل أن العين بصيرة و اليد قصيرة ’ سيضن أننا بسعة و لم نقم بواجب الضيافة بخلا فيشيع ذلك بين العرب.
      الشخصية:
      لا تحتمل القصة القصيرة كل الأبعاد للشخصية جسمية و نفسية و فكرية و اجتماعية و سياسية و دينية في آن ’ غير أن الشخصية ترتبط ارتباطا و ثيقا بالحدث و هي في هاته القصيدة الأب الذي لم يأكل منذ ثلاث و قد شد بطنه بعصابة من شدة الجوع بعدما نفذ زاده بهاته القفار التي أضحى يرى فيها البؤس نعمة:
وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما
أخي جفوة فيه من الإنس وحشة يرى البؤس فيها من شراسته نعما
النهاية التي يسميها البعض لحظة التنوير تضيء القصة و ينجلي التكثيف و تكون في الغالب نهاية طبيعية للحدث مهما كانت مفاجئة و هي في هاته القصة ظهور قطيع أتن وحشية قد عمها الشحم و اللحم:
فيناهم عنت على البعد عانة قد انتظمن من خلف مسحلها نظما
ظماء تريد الماء فانساب نحوها ألا إنه منها إلى دمها أظما
فأمهلها حتى تروت عطاشها فأرسل فيها من كنانته سهما
فخرت نحوص ذات جحش فتية قد اكتنزت لحما و قد طبقت شحما
      منتهية إلى خاتمة مفرحة ابتهج فيه البطل وهو يجر صيده نحو أهله ليكرموا ضيفهم و قد غنموا بما نالوه من لحمها المكتنز:
فيا بشره إذ جرها نحو أهله و يا بشرهم لما رأو كلمها يدمى
فباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم فلم يغرموا غرما و قد غنموا غنما
و بات أبوهم من بشاشته أبا لضيفهم و الأم من بشرها أما
و لننظر من جديد إلى لحظة الأزمة :
ولا تعتذر بالعدم على الذي طرا يظن لنا مالا فيوسعنا ذما
فروى قليلا ثم أحجم برهة و إن هو لم يذبح فتاه فقد هما
وقال : هيا رباه ضيف و لا قرى بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما
حتى ليقول القارئ أو المستمع بعدها : قصة رائعة ’ بدل أن يقول قصيدة لغلبة القصة بجميع أركانها’ فبتوفر شروط القص من المقدمة إلى العقدة بمثل هذا التأزم لا يمكنها أن تكون طفرة دون تراكمات و خلفية قصصية وصلت ذروة ما وصل إليه الشعر , و لاستفاضة أكثر في القص عند العرب الذي كان ذاكرة هو أيضا مثلما كان الشعر ديوانا يمكن العودة إلى الأمثال و الحكم التي كثيرا ما تحسبها قصة ومضة:على أهلها جنت براقش.....
       الشعر الملحمي أيضا في معلقة ابن كلثوم ’ في آذنتنا ببينها أسماء للحارث بن حلزة ’ القص في أيام العرب المتناقلة نثرا شفاهة و المتناقلة شعرا حتى ظهور الإسلام بل و في الإسلام أيضا:
يوم الصفقة –ذي قار-داحس و الغبراء يوم بعاث –السرارة –فارع-البقيع.
       و لعل مرد غلبة الشعر إنما لكونه يمكن أن يعيش مع الأمية عن طريق الحفظ أما النثر الفني فلا يستطيع ما لم يدمج في نثر خطابي يعتمد السجع ’ و ما كان العرب يفرقون بين الشعر و النثر حتى عدوا القرآن شعرا :( و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له إن هو إلا ذكر و قران مبين ).
القصّ ذاكرة العرب القصّ ذاكرة العرب مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 5:22:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات