إعلان 728x90

عمر أزراج: قصّة قصيدة 26


عمر أزراج..
قصّة قصيدة 26  
جريدة الشروق 06/12/2011
إن العوالم الشعبية التي يتجاور فيها الخيال مع الواقع، والتي عشتها طوال مرحلتي الطفولة والمراهقة، قد لعبت دورا حاسما في تأسيس وبنية مخيلتي الشعرية التي ترفع الواقع إلى مصاف السحر، وتجعل اللغة تقول التاريخ الخاص والعام بلغة الأسطورة، وتحوّل المرئي إلى اللامرئي، وتُلبس القصائد قفطان الطبيعة. من بين هذه العوالم، التي يحتفظ بها خزان الذاكرة، أذكر جيدا بأنه قد قيل لنا بأن المداحين والمغنيين، والحكواتيين الذين تسللوا إلى عوالم طفولتي البريئة قد آتوا من جغرافيات بعيدة. فالاسم الذي كان يطلق في منطقتنا على المغنيين الشعبيين البربر هو: »إظبالن« وهو اسم عربي في الأصل وتحريف لكلمة »الطبال«، والطبالون البربر كانوا يغنون في الأعراس وبعض المناسبات الدينية فقط، ولم يكونوا يلبسون جلود الحيوانات إطلاقا أو يستعذبون تعليق فروة الذئب من الخلف، التي كان منظرها مبعث الدهشة المثيرة بالنسبة لنا كأطفال.

لقد أخبرنا هناك أن هؤلاء المداحين والمغنيين كانوا يسكنون في الربع الخالي، وكنا نتساءل في دهشة مغلفة بالخوف: أين هو الربع الخالي؟ كان خيالنا يحلق بعيدا، ويلوّن كلمة »الربع الخالي« بألوان مختلفة، حيث قرنت كلمة »الربع الخالي« بحكايات يقشعر لها البدن. أما »إظبالن« فإنهم لا يسكنون في »الربع الخالي« وإنما يأتون من القرى الجبلية. أما الفرنسيون فقد أعلمنا بأنهم من سكان أرض التفاح الأحمر اللذيذ فيما وراء البحار. كانت كلمة »الربع الخالي« توحي إلينا بالسعالى والنمور
والديناصورات والأفاعي، وبكافة الحيوانات المفترسة التي تتربص بالإنسان في كل الأوقات. قد أصبحنا نحلم بهذه العوالم الغريبة والمخيفة، وكثيرا ما استيقظنا فزعين، مخبرين أمهاتنا بأننا حلمنا بأن »غرباء« قد تربصوا بنا وقبضوا علينا وأخذونا إلى »الربع الخالي« وألقوا بعضنا في فم أسد تنبعث من عيونه النار. رغم هذه المخاوف التي كان يزيلها النهار، فإننا كنا في شوق دائم لسماع قصص الحكواتيين وأغاني المغنين »التروبادور«.
 
فالحكواتي الذي كان يقف في وسط الناس ويروي لهم ولنا حكايات الدنيا والآخرة والعبرة من وجودنا في هذا الكون، قد حافظ فعلا على كنوز التراث الشعبي الشفوي ومنعها من الاندثار وتشويه الزمن. لم يكن الحكواتي يتوقف أو ينسى دقائق وتفاصيل حكاياته وخرافاته، وعندما يلاحظ بعض التعب أو الملل على وجوه المستمعين كان يلجأ إلى الكمنجة التقليدية ليعزف أنغاما شجية ترقص لها أرواحنا، ومن حين لآخر كان يلجأ أيضا إلى بنديره فيقرعه بلطف ويدور حول نفسه، وكثيرا ما كان يرفعه إلى أعلى رأسه بمسافة محسوبة بدقة ليسكنه الفضاء مرفقا ذلك بترديد مواويل تقطر بالشفقة والحزن تارة، وتارة تصدح عاليا وتملأ الأفق ونفوس هؤلاء القرويين البسطاء بالشجاعة وروح الفروسية. إن المضمون العام لتلك المدائح كان يدعو بشكل رمزي ـ وذلك بواسطة رواية قصص على لسان الحيوانات والطير ـ إلى اليقظة والحيطة من المستعمر الذي رمز له بالأفعى ذات الرؤوس السبع، أو الثور الخرافي الذي يشرب كل البحار وينطح السماء بقرونه فيطفئ الشمس ويعمي النجوم والكواكب.
كانت مضامين معظم الأغنيات والقصص تزخر بمُثلٍ عليا كاحترام الوالدين، والمحافظة على الجار وتقديس الأمانة، والوفاء للعهد والأصدقاء، والاعتزاز بأرض الوطن، وقد تركزت أغلبية تلك القصص والأغاني على الأبعاد الروحية مثل سير المصلحين الاجتماعيين، والرموز التاريخية، وتفاصيل حياة الأجداد. وهكذا تميزت بوعي مشرق رغم صدورها عن أشخاص كانوا أميين لا يقرأون ولا يكتبون. إنه على أيدي هؤلاء كان فنّهم الشعبي يستدعي سلاسل من عناصر الأسطورة والخرافة والدين لغرس الحكمة ولبث الوعي في النفوس لتتحرر، كما كانوا يتمتعون بمواهب عظيمة في مجال ربط الأحداث ببعضها البعض وخلق مواقف تشويقية، وتصوير الصراع تصويرا دراميا كثيرا ما أذهلنا وجعلنا نعيش الماضي بشكل حي لا نظير له. إلى جانب المداحين والحكواتيين والمغنيين الشعبيين قد غمر منطقتنا سيل من ممارسي وممارسات الشعوذة، إذ اعتدنا على رؤية أفواج من الساحرات، وقارئات الرمل والكف حيث كنَّ يمارسن السحر بشكل علني وكان لهن زبائن كثيرون من الرجال والنساء. قد قيل لنا إن تلك الساحرات جئن من الساقية الحمراء ووادي الذهب »الصحراء الغربية حاليا«. وهكذا اختلطت الأمور في أذهاننا، ولم نعد نميز بين الغجريات الإسبانيات والساحرات وذلك لتشابه ملابسهن وملامحهن الجسدية. إن الفرق الوحيد بينهن هو أن الغجريات كنَّ يقرعن الدفوف و»البنادير« ويرقصن برشاقة عجيبة ويتمايلن مثل أشجار الصفصاف حين تتسلل إلى أغصانها قبضات الريح، في حين كانت الساحرات يلتزمن الصمت العميق في أغلب الأحيان ويقلن كلاما غير مباشر مشبع بتأويلات شتى في شكل كنايات واستعارات متشابكة الظلال وألغاز كنا نعتقد إذّاك أنها من صميم الحقيقة. عرفت المنطقة إذ ذاك نوعا من السحر، وكان عبارة عن »حروز« و»تمائم« كان يكتبها المشايخ »الأئمة« للمرضى كي يشفوا وللعازبات لكي يتزوجن، وللمطلقات لكي يعدن إلى أزواجهن، وللمغتربين في المهاجر الفرنسية لكي يرسلوا النقود إلى ذويهم. أما الساحرات فكنَ يكشفن عن الحاضر والمستقبل عن طريق قراءة كؤوس الماء، أو الرمل. ومما كان يدهشنا كثيرا ويجعلننا نصدقهن هو أنهن كن يذكرن أفراد العائلة بأسمائهم واحدا واحدا، مع سرد بعض التفاصيل المتعلقة بماضيهم. كنا نستغرب ذلك كل الاستغراب، ونتساءل كيف تمكنّ من معرفة كل ذلك رغم أنهن لم يسبق لهنً أن زرن العائلة، أو التقين بأحد من أفرادها بشكل منفرد؟.
عمر أزراج: قصّة قصيدة 26 عمر أزراج: قصّة قصيدة 26 مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 8:48:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات