إعلان 728x90

عمر أزراج: قصّة قصيدة 25


الأدب الشفوي في منطقة القبائل

2011.12.04  جريدة الشروق     
عمر أزراج /   قصة قصيدة - 25 -
إن الشاعر الفنان لا يأتي من الفراغ وإنما هو حصيلة البيئة الروحية وللثقافة الوطنية، وخاصة شقها الشعبي المتغلغل في الدم والروح. إن الثقافة الشعبية هي النسغ المستتر الذي يشكل جزء من فضاء الشخصية الفنية والحساسية للأديب، وتأتي فيما بعد الثقافة العالمة لترتب عناصر هذا الموروث الشعبي في نسق له فرادته وربما بعض عقلانيته.

وفي الحقيقة، فإن الجزائر المستعمرة التي عشت في كنفها كل طفولتي وجزء من سن مراهقتي، كانت في ذلك الوقت مقطوعة الصلة بالروافد الثقافية والفكرية والفنية الأجنبية، وجراء ذلك فإن المنبع الوحيد الذي كنا نشرب منه رحيق الحياة كان تلك العوالم التلقائية التي كانت تنسجها في مخيلتنا القصص الشعبية التي كانت تروى لنا من طرف أوليائنا ومن قبل الشيوخ المسنين والعجائز القرويات. وبدون أدنى شك فإن الصياغة الأولى لتكوين جيلنا ينبع من هذا البعد الثقافي الفني الشفوي. إلى جانب ذلك كان هنالك بعد آخر من أبعاد التكوين الأولي، ويتمثل في عناصر الفلكلور الذي كان يفاجئنا كأطفال وكمراهقين وكان أبطاله المداحون في الأسواق والمغنون الشعبيون في الأعراس، والحكواتيون الذين كانوا ينتشرون هنا وهناك، فضلا عن مجموعات الغجر والغجريات الذين كانوا يأتون من إسبانيا في بعض المواسم على مدار السنة.
يعتبر مجيء المداحين والمغنيين الشعبيين، والحكواتيين إلى قريتنا ب "إظريقن" عيدا ثقافيا مدهشا لا نظير له على الإطلاق. رغم كل ما يقال عنهم لقد كان تأثير هؤلاء علينا شديدا وجميلا. إن رؤية هؤلاء كان له سحر خاص، إذ كثيرا ما دغدغ مشهدهم مخيلتنا وأخرجنا من الرتابة المقلقة والضاغطة على مشاعرنا بقسوة، وكان من النادر آنذاك أن نجد مهربا دافئا لنلهو ونتسلى ونلعب فيه، لأن الحياة كانت صعبة ماديا ومعنويا.
كنا محاصرين بالخوف من الموت على أيدي المستعمرين حيث كنا نلزم الدار أحياء لأكثر من أسبوع دون أن نرى السماء أو نلقي نظرة خاطفة على جمال الطبيعة المحيطة بنا من كل ناحية. إن أسراب طائرات الاستعمار الفرنسي"الصفراء" التي كانت تقتل بدون رحمة قد منعتنا لسنوات طويلة من اللهو المستمر خارج الديار. من هذه الزاوية كان المداحون والمغنون والحكواتيون بمثابة الملجأ الأمين والمرج الأخضر الذي لعبت فيه أحلامنا الصغيرة البريئة. كان هؤلاء المداحين والمغنيين والحكواتيين  يفدون إلى قريتنا في فصل الشتاء وفي فصل الصيف.
وقد وقع اختيارهم على هذين الفصلين دون فصلي الخريف والربيع، وذلك من أجل الحصول على حب الزيتون الذي يجنى ويعصر في فصل الشتاء، ومن أجل التزود أيضا بالفواكه كالتين بأنواعه المختلفة، والعنب الأسود والأخضر والأحمر، ومن أجل نيل ما تيسر من  الخضر التي تزدهر بشكل خارق للعادة في أوائل وأواسط فصل الصيف. اتفق الريفيون في منطقتي على أن الشتاء والصيف هما الفصلان اللذان يطردان شبح الفقر ويرزقان الفقراء المعدمين ومتوسطي الحال. إن فصل الشتاء يقدم لهم زيت الزيتون، وحب الزيتون، ولحم الزرازير، وأن فصل الصيف يبعد عنهم البرد ويوفر لهم الفواكه والخضر، ويغطيهم بأضواء القمر الساطعة أثناء الليل الريفي العبق.
إن هذه النعم بالنسبة لفقراء قريتي اعتبرت بحق إحدى صور الجنة التي وعد بها الله البشر المخلصين.
 أدركت بعد مرور السنين بأن زيارة هؤلاء المداحين، والحكواتيين، والمغنيين "التروبادور" لقريتي "إظريقن" لإحياء الحفلات أمام المنازل وفي الحقول والطرقات لإطراب القرويين والقرويات، وجعلهم يتنفسون هواء الغناء العذب ويسبحون في العوالم المدهشة التي كانوا ينسجونها ببراعة فائقة كانت بحق صورة من صور الانفراج النفسي والمقاومة الثقافية الشعبية. لم نكن نعرف المكان الذي جاؤوا منه، غير أن بعض الشيوخ والعجائز في منطقتنا كانوا يرددون بأن بعضهم أقبل من أقصى الغرب، وأن بعضهم الآخر أكد بشكل قاطع ومتحمس بأنهم أقبلوا من عمق الصحراء.
هكذا رافقتهم حكايات وأساطير بعضها مروع وبعضها مدهش، مما جعلها في النهاية تشكل في نفوسنا نحن الأطفال الأبرياء عوالم خرافية امتزج فيها الخوف بالرغبة في اختراق أبعاد المكان والزمان واكتشاف المجهول. لست أدري لماذا قالت لي أمي "لا تقترب منهم لأنك إذا اقتربت سيأخذونك إلى الصحراء ولن تعود إلى هنا أبدا وسيأكلك الرمل والحشرات"، وهنالك من حذرنا قائلا: "لا تقتربوا منهم فإنهم سيهربون بكم إلى حيث تغرب الشـــــمس، وإذا أخذوكم إلى هناك فإن حياتكم ستغرب مثل تلك الشمس".
هذه المعلومات التي تلقيناها أثرت علينا كثيرا فأصبحنا نحذر من المداحين والحكواتيين رغم أننا كنا نستعذب منظرهم وأغانيهم وحكايتهم ونتفاعل معها بكل جوارحنا، ونتمنى أن يعودوا ليملأوا سماء القرية بدق الطبول والمواويل التي كثيرا ما رددتها الجبال، وتعالى صداها في الأودية والمنحدرات. كان غناءهم  شجيا رغم أننا لم نكن نفهم معاني الكلمات العربية التي كانت تنطق بها أغانيهم.
لقد أسكرنا رقصهم الجماعي وتمايل أجسادهم يمينا وشمالا، ومحاولاتهم العجيبة لتقمص حالات الصوفيين ووجدهم. من المناظر التي لا تنسى أبدا، منظر دخول المداحات والمداحين إلى القرية. كانت ملابسهن مزركشة الألوان، ومعدة على نحو يثير الدهشة والاستغراب.  كانت أقراط المداحات طويلة جدا، كما أن شعرهن لم يكن يضفر في شكل ضفائر تغطى بقماش من الحرير أو الجوخ على غرار عادة نساء قريتنا. لقد كنَ يطلقن شعرهن الطويل الأسود المتموج إلى الخلف وإلى الأمام وكانت أمي تسميه بالأمازيغية "أمزور" وتصفه لجاراتها بأوصاف متنوعة وكثيرا ما رددت على مسامعي قولها " إنه مثل سنابل القصائد".
عمر أزراج: قصّة قصيدة 25 عمر أزراج: قصّة قصيدة 25 مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 9:49:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات