إعلان 728x90

عمر أزراج: قصّة قصيدة 23


ابن الفلاح في مدرسة الكولون

2011.11.22  جريدة الشروق     
عمر أزراج /   قصة قصيدة  23
في عام 1957 أرسلني والدي الفلاح لأدرس في المدرسة الفرنسية بقريتي أكنتور بعد أن هدده العساكر الفرنسيون المقيمون بالثكنة، التي بنوها في وسطها، مرارا بأنه إن لم يفعل سوف ينال العقاب ما بعده عقاب أشد منه. كانت هذه الطقوس الكولونيالية مفروضة على أغلب العائلات وأطفال المنطقة أيضا، وكان هذا الوضع سببا من أسباب كراهيتنا لتلك المدرسة ومعلميها الفرنسيين. كان نفورنا من المدرسة الفرنسية مزعجا جدا للسلطات الاستعمارية، ولكي يقضوا على تلك الظاهرة راحوا يقومون باستدعاء أولياء التلاميذ للتحقيق في الأمر، وفي حالة عدم رضاهم عن نتائج التحقيق كانوا يبقون الأولياء في الثكنة ليوم أو ثلاثة أيام مع تكليفهم بأعمال الطبخ والكنس، وحفر الطرقات، وترميم سقف الثكنة ومجاري المياه وغيرها من الأعمال التي كانوا يختلقونها اختلاقا.
في تلك الأثناء كان "المجاهدون"ينزلون ليلا من الجبل إلى القرية من حين لآخر ليتزودوا بالأكل والنقود والذخيرة العسكرية، وذلك تحت حراسة مشددة وسرية تامة، وقد قيل لنا بأنهم كانوا يشجعون الأهالي على إرسال أبنائهم إلى المدرسة الفرنسية للتزود بالعلم والمعرفة. رغم تشجيع المجاهدين ونصائحهم تلك، لكننا واصلنا موقفنا المتمرد، وقد بقيت مجموعة قليلة جدا من التلاميذ تتردد على تلك المدرسة. تميزت البرامج التعليمية المطبقة في تلك المدرسة الفرنسية بالتركيز على العناصر اللغوية والجغرافية والتاريخية الفرنسية وكان الهدف المركزي لتلك النصوص المفروضة علينا يتمثل في "إلغاء"الجزائر ككيان جغرافي وتاريخي وحضاري من ذاكرة التلاميذ الصغار، ونسف الجذور والروابط التي تصل الجزائر بغيرها من البلدان في آسيا وإفريقيا. إن عمليات سلخ الذاكرة الجزائرية وفقا للمخطط الفرنسي نفذت في المؤسسات التربوية التي كانت تدار من طرف الحكم الفرنسي، وتمت عملية فرضها مرة بالترغيب ومرات بالترهيب. كانت الكتب المقررة آنذاك تخلو حتى من الأسماء الثقافية والتاريخية الجزائرية، إذ أن أسماء مثل "ماري وجون وروبير"قد ظلت هي السائدة والمسيطرة، أما أسماء سلاسل الجبال والوديان والقرى والمدن والأماكن التاريخية الجزائرية فإنها كانت تكتب محرفة حتى تبدو عند النطق بها وكأنها ذات أصول فرنسية بحتة. فضلا عن ذلك، فإن تلك الكتب كانت خالية من نصوص تتناول الآداب واللغة والشخصيات الجزائرية وكذا التاريخ العربي والإفريقي والأسيوي والأمريكي اللاتيني وهلم جرا... إضافة إلى ذلك، فإنهم لم يثبتوا في البرامج أي نص يعود إلى التراث الأمازيغي المحلي من نثر وشعر. لم تكن. لقد تزامنت فرنسة المناهج التربوية مع حملة إلغاء الجنسية الجزائرية للمواطنين وإسقاطها من أوراقهم الرسمية كبطاقات التعريف وجوازات السفر وبطاقات الإعاشة. ولكن عمليات إسقاط الجنسية الجزائرية عن المواطنين العزل لم تمر بسلام بل فقد رافقتها حكايات ونوادر وردود فعل كثيرة أخذت شكل مقاومات ثقافية وفنية شعبية، وهكذا كانت الأغاني الشعبية الوطنية التي كانت تغنى في الأعراس تنتقد هذه العملية. كما كان الفلاحون والفلاحات يسخرون منها. إذ سمعت أحد الفلاحين في نادي القرية يتساءل: "مادمنا في نظرهم فرنسيين فلماذا يرفعون الأسلحة في وجوهنا؟"، أما أمي فقد قالت أمام جمع من النساء: "اسألن هذه الزيتونة فإنها لو تكلمت فإنها ستقول لنا جميعا بأننا لم نكن ولن نكون فرنسيين". هكذا حاول الفرنسيون محاصرتنا قي تلك القرية الجبلية النائية وحاولوا عبثا إقناعنا بأن الكون يتكون من بلدين فقط هما فرنسا الأم والجزائر الفرنسية.
·          في يوم من الأيام كنا ندرس في القسم وفجأة دوّى الرصاص حولنا. لم تمض إلا دقائق معدودة حتى رأينا السماء مغطاة بأسراب الطائرات الصفراء اللون التي كنا ندعوها آنذاك "بالجاسوسات"وبالمظللين ذوي اللباس العسكري المزركش وصارت السماء رمادية وسوداء. كنا مذعورين. تركنا أدواتنا المدرسية وانطلقنا كالسيل إلى الخارج، وتفرقنا مسرعين وعمت الفوضى. لم نتمكن من الوصول إلى منازلنا بسبب سيول الرصاص التي كانت تتساقط عنيفة. لجأت إلى أقرب المنازل واختبأت فيه. رأيت أسراب الغربان والحجل والعندليب الأسود تطاردها الفاجعة، وتترنح، وترتعش، وتتألم. دخل إلى المنزل الذي اختبأت فيه "فدائي"عرفت بعد النظر في وجهه بأنه من عائلتي. كان بيده رشاش ألماني الصنع. حاول الاختفاء في الإسطبل غير أنه عدل عن ذلك، ثم اختفى وراء كنبة طينية عالية واضعا أمام رأسه دلوا مملوءا ماء ليحول دون رصاص الفرنسيين. كان قلقا جدا، وكنت مذعورا. كنت متأكدا بأنني سأقتل معه. وليحافظ على حياتي ترك المنزل بسرعة البرق وخرج باتجاه الحقل الذي يحيط به. كانت نساء القرية يتابعن حركاته بقلوب مثقوبة ووجوه محفورة بالخوف. انطلق الفدائي كالسهم مشرعا رشاشته و صارخا "الله أكبر"مرات عديدة، وراح يطلق الرصاص باتجاه العساكر الفرنسيين الذين كانوا موزعين في كل مكان ويسددون له أمواج الطلقات. استقرت في صدره إحدى رصاصاتهم فانفجرت منه الدماء كالسيل وبدأ يتلوّى ويسقط رويدا رويدا حتى ارتطم بالأرض ثم لفظ أنفاسه. خبأت وجهي بين يدي المرتجفتين وصرخت بأعلى صوتي وغرقت في البكاء. بعد قليل أمر الجيش الفرنسي جميع سكان القرية بالخروج وبالتجمع والمرور واحدا بعد الآخر بجانب "الفدائي"والنظر في جثته، وكانوا يريدون بذلك أن يتعرّفوا على أقاربه ليُصَفُوهم جسديا. لما اقتربت النساء من جثة الفدائي صاحت إحداهن ثم زغردت طويلا: "تحيا الجزائر.. تحيا الجزائر"، وردّ عليها عسكري فرنسي بجرّها على الأرض ثم قادها إلى الثكنة ولم يطلق سراحها إلا بعد اغتصابها على مدى أكثر من أسبوع. عرفنا بعدئذ أن زوجة الفدائي الشهيد هي ابنة عمي. منذ تلك الحادثة لم يعد كثير منا إلى المدرسة الفرنسية، وهكذا تم "الطلاق"بيننا وبين لغة وثقافة الاستعمار الفرنسي، وعدنا إلى لغة أمهاتنا الشفوية لننهل من تراثها الشعبي الحكمة والشعر والأمثال وروح المقاومة. في تلك المرحلة "أي في الخمسينيات"من القرن العشرين حرمنا كأطفال من الثقافة الوطنية الجزائرية المكتوبة ومن الثقافات الأسيوية والإفريقية، ومن الثقافة الغربية الإنسانية، وفي الوقت ذاته لفظنا بعيدا الثقافة الاستعمارية الفرنسية، وبذلك صرنا منعزلين ومعزولين. في منطقة أثمليكش لم نكن نسمع آنذاك أبدا بالمتنبي، والمعري، والشنفرى، وتأبط شرا، وعروة بن الورد، والخنساء، والحطيئة. ولم نكن نسمع أيضا بأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ولم نر كتب هؤلاء في ذلك الزمان، كما أننا لم نسمع إطلاقا بطاغور، وفيرجيل، وهوميروس، ودوستوفسكي، وشوبان وبتهوفن، ورامبيرانت، وليوناردو دافينشي. فقد حلت خوذات العسكر الفرنسي وصفير الرصاص وجثث الموتى، ومناظر الجائعين والمنفيين من الجزائريين والجزائريات، والمنازل المحروقة، والقرى المبادة محل الفن التشكيلي، والأدب، والفلسفة، والفن المعماري، والموسيقى الكلاسيكية.
·          قد عاش جيلي فعلا مأساة "العزل"الثقافي واللغوي  لسنوات طويلة امتدت إلى أوائل 1962. بصراحة متناهية فإن أغلب أبناء جيلي الذين بقوا بداخل الوطن قد حرموا طوال الحقبة الكولونيالية من المصادر الثقافية المحلية والعالمية. من هذه الزاوية، فإن التراث الذي لعب الدور الحاسم والأساسي في تكويننا الوجداني والنفسي والعقائدي هو التراث المحلي كل في منطقته. كانت الأعراس بمثابة المصادر الثقافية التي لا تنضب، إذ كانت تتم عموما في فصل الصيف وفي الهواء الطلق في ساحات المنازل والحدائق الملحقة بها. في الأعراس كنا نسمع الشعر، والأمثال والنوادر، والأغاني التي تحكي قصص الغربة، والفداء، والاستشهاد. في منطقة أثمليكش كانت امرأة تدعى "مسعد نثحمّي"خزانا عظيما للأغاني الشعبية المحلية، وقد كانت عمياء لكنها رزقت بموهبة الغناء ونظم الشعر السلس الصافي.  كانت تتقن ترديد المواويل والقرع على البندير والطبل على نحو ساحر وملهم. من مميزات أغانيها أنها كانت تعتمد الإيحاء والرمز للتعبير عن مشاعر المواطنين وحبهم للحرية، ونضالهم من أجل الاستقلال. وهكذا نجد "الريح"في مواويلها تعادل الثورة، و"الأسد"يرمز إلى الشجاعة، و"الحمام"يكنى به عن الحب العذري الشفاف، و"الزرزور"يحمل دلالات مكتشف القارات والمغامرة في بلاد ما وراء البحار، والمرسل للقاء المغتربين في مهجرهم. كما نجد "الغصن المياد"يرمز به إلى العاشق. هكذا كانت "مسعد نثحمي"تراثا مقاوما يسير على قدميه ويغني بلسان الطبيعة كلها. على يد هذه "المغنية"الشعبية الموهوبة أدركت العلاقة بين الطبيعة والإنسان والشعر وبين فكرة التحول في التاريخ.
·         لم تكن الطبيعة في أغانيها عدوا شرسا للإنسان وإنما كانت ملجأ أمينا له، ومصدرا من مصادر الأمل الذي لا حدود له. كانت "لالا مسعد"تغني والنسيم يمرر أصابعه الحريرية على الأغصان، والنساء الجميلات يشعلن الفضاء بتباريح الروح: "قمري يا سيدي يضيئ درب الأسد، وعن عين الأذى حجبته أجنحة الحجل". كانت "لالا مسعد"، "تصدح بصوت شجي: "أيها الخصر البربري لتكن بلادك زهرة المشمش، وليكن حزامك نبع الغابة الرقراق..."!.
·  
عمر أزراج: قصّة قصيدة 23 عمر أزراج: قصّة قصيدة 23 مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 9:38:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات