إعلان 728x90

عمر أزراج: قصّة قصيدة 22


الحلقة الثانية والعشرون

في الأعراف الاجتماعية والعمرانية لسكان منطقة القبائل
 أزراج عمر         2011.11.20 جريدة الشّروق
لاشك أن العلاقة بين الفضاء الذي يتربى فيه الشاعر أو الفنان التشكيلي أو المهندس المعماري وبين الإنتاج الإبداعي والفني الذي ينتجه هؤلاء يتميزان بالعضوية والتأثير المتبادل، مما يجعلنا نقول إن بنية الفضاء تلعب دورا محوريا في تشكيل البنية الفنية للقصيدة، أو للرواية، أو للقصة القصيرة، أو للعمل المسرحي. كما يمكن القول أيضا بأن بنية العمل الفني هي انعكاس معدّل لبنية فضاء البيئة التي تشمل أشياء الطبيعة وحياة الناس فيها. لقد تأكدت مرارا من صواب هذه الفرضيات أثناء كتابة القصائد أو أثناء تحليل الأعمال الشعرية لشعراء آخرين باختلاف جنسياتهم وتجاربهم الحياتية والإبداعية. ومن هنا شرعت في تقصي خلفيات البيئة الطبيعية والإنسانية التي نشأت بداخل تضاريسها من أجل استرجاع عناصرها ونفض الغبار عنها وإحياء العلاقة القديمة التي كانت لي معها.
وهكذا أصبحت أدرك أن تاريخ الشاعر مؤسس دائما على تاريخ الفضاء الذي كان أو يكون له المسرح الذي يمثل فيه دوره في الحياة. على ضوء تجربتي وجدت "البيت" يحتل مركزا بارزا في الحياة المادية والروحية لأهل منطقتي "أثمليكش"، كما يبرز كموضوعة حميميّة في أشعارهم وأغانيهم وأمثالهم. هناك كان الصغير والكبير يردد هذا المثل: "إذا ملك القبائلي الأموال فاعلم أنه سيتزوج أو يبني بيتا أو يشتري حمارا". روى لي والدي قصصا كثيرة عن أشكال البيوت المبنية في المنطقة في فترات العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وأكد أنها كانت إما مستطيلة أو مربعة، ونادرا ما تجد بيتا يملك أكثر من طبقة واحدة، وإذا حصل أن بني من طبقتين فإن الجزء العلوي كان يسمى بالأمازيغية "ثيسي" أو العلية باللغة العربية. وتخصص "ثيسي" / العلية دائما لخزن الحبوب والزيتون والشحوم، والمجففات من الخضر والفواكه، وتستخدم أيضا كمكان تتنقل إليه النساء الجميلات المحجبات أثناء استقبال ضيوف غرباء أو عابري السبيل. من مميزات البيوت هناك أن لكل بيت موقداً ويدعى "الكانون" وله فتحة في الجزء العلوي من الحائط كمخرج للدخان. كما أن لكل دار "كنبات" أو "إذكّونان" عديدة تبنى بالطين والحجارة وتستعمل للجلوس والاسترخاء وأحيانا كسرير للنوم بعد وضع جلد خروف عليها. أما السقف فهو عبارة عن مجموعة أعمدة خشبية تمتد من جهة إلى جهة ويوضع فوقها قصب يربط بالسلك ويغطى بنوع من الحشيش ويدعى بالبربرية "أذلس"، ليحول دون دخول الأمطار. أما تاريخ دخول القرميد الإنجليزي، كما يسمى عندنا، إلى المنطقة ليحل محل السقف التقليدي فهو تاريخ حديث جدا ولم يتعمّم إلا منذ سنوات قليلة بعد استقلال بلادنا. ففي اللحظة التي يستبدل فيها أحد السكان سقف القصب والخشب والحشائش بالقرميد الإنجليزي الأحمر فإن أهل القرية سرعان ما يطلقون عليه لقب "الباريسي الذي تنقصه القبعة والزوجة الرومية" وغيرها من الألقاب التي يقصد من ورائها المزاح والدعابة، وإن كانت لا تخلو من نقد مبطن، ويعني ذلك أن الشكل غربي والجوهر محلي وأن التناقض بينهما واضح.
·         يحرص البربري كل الحرص أن يختار الجار قبل الدار، لأن عملية شراء المنزل في نظره تخضع لاعتبارات أخلاقية قبل الاعتبارات المادية كجمال الموقع أو قدم المنزل أو حداثة عهده. وهذه إحدى القيم الثقافية الروحية لأهل المنطقة، فهم يرجحون القرابة التي تؤسسها الأخلاق العالية على القرابة الدموية، وهكذا نجد الأغاني الشعبية تتغنّى بالصفات الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها الجار، كأن يكون عادلا ومتسامحا وشريفا وعفيفا، وتلخص ذلك عبارة ذات مغزى عميق "إذا لم يعانق الدخان الطالع من بينك، الدخان الطالع من بيت جارك، فتيقن أن الجوار فاسد".

 
إنّ كلمات والدتي ما يزال صداها يرن في أذني: "وليصل خبزك إلى حيث يصل هذا الدخان المتصاعد من موقدنا". إن الناس يقسمون لبعضهم البعض في قريتي المليكشية هكذا: "وحق الدخان الذي يجمع بيننا" ولا يقولون: "وحق دماء القرابة العائلية التي تصل بيننا".

 
فالقرابة لا تحدد بالعرق عندهم إنما يحددها المكان والأخلاق السامية، والتقارب الفكري. ومن الصور النبيلة التي تحتفظ بها الذاكرة، أن العائلة التي تطبخ اللحم هناك كانت تقوم بتوزيع جزء منه على الجيران مع صحون مملوءة بالكسكسي والمرق بتلقائية مرهفة، لأن الاعتقاد السائد يؤكد أنه ينبغي أن يصل اللحم إلى كل البيوت المجاورة التي وصل إليها الدخان المتصاعد من الموقد، وإذا تم العكس فإن "القرابة" مغشوشة. هذه الصور تبرز روح التكافل والتصافي بين الجيران. وإذا جئنا إلى وقتنا الحاضر فإننا نجد أن الكثير من هذه العادات والتقاليد بدأت تزول ليحل محلها الانطواء على النفس، والنظر إلى الذات كمركز للكون. ومن صور التعاون والتضامن بين سكان القرية، أنه إذا شرعت في الحراثة، أو في قطف الزيتون، أو في إنجاز سقف المنزل، فإن الجميع يتبرع بيوم أو بيومين للعمل معك بدون أجر، ما عدا وجبة الغذاء والعشاء. وإذا كنت فقيرا فيجلبون معهم الأكل وتسمى هذه "ثويزا"، أما إذا مرض لك ثور فذبحته قبل أن يستفحل فيه المرض ويقتله، فإن جميع السكان سيأخذون نصيبهم من لحم الثور مع دفع ثمنه ويدعون ذلك بـ"لحمقه". إنّ نفس التعاون يحصل في حال شق طريق عام داخل القرية أو خارجها، وخاصة إذا كان يؤدي إلى الجبل، حيث أغلب المراعي تتصف بصفة الجماعية. فالناس هناك في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كانوا يتناوبون على رعي قطيع القرية دوريا في الجبل أو في السّهل، إذ نادرا ما كانت العائلة الواحدة ترعى ماشيتها لوحدها، لأن العرف كان يقضي بتكوين قطيع كبير يجمع مواشي كل العائلات ويدعى "أجمًاع" وتتم المناوبة عليه سواء بالاتفاق والتفاوض أو باستخدام القرعة.

وبهذا الصدد، فإن هذا التاريخ المؤسس على الوازع الاجتماعي مهمّش ومنبوذ مع الأسف. لقد حاول الكاتب حمدان خوجة في كتابه "المرأة" أن يصف حياة الجزائريات والجزائريين وعلاقات التضامن الجماعي فيما بينهم، غير أنه لم يفصل الحديث عنها ولم يتعرض لمختلف أوجه النشاط الاجتماعي الذي يبرز فيه هذا التكافل والتضامن والتآزر، وإنما نجده قد اهتم بصفة خاصة بطبائعهم وملبسهم ومأكلهم، وسلوكهم مع الضيف. لم يتعرض كتاب "المرأة" أيضا لأسس التنظيم الهيكلي الاجتماعي وصيغته المشاعية التي تقترب كثيرا من مفهوم الاشتراكية المعاصرة إلى حد بعيد.

كان لكل قرية في منطقة اثمليكش مجلسٌ عام يتكون من ممثلي جميع العائلات، ويختار رئيسه من بينهم ويشترط فيه أن يكون عقلانيا ولهذا سموه بـ: "رأس القرية" أو "العاقل". وفي هذا المجلس تناقش جميع المشكلات وتحل جذريا وبالرضا، سواء تعلق ذلك بأمور البيع والشراء أو الزواج والطلاق، أو دفن الموتى، أو تسوية النزاعات القائمة. وإذا حصل أن تمرّد أحدٌ ما على قرارات المجلس، فإن الموقف كان يتّخذ بأمر كافة سكان القرية أطفالا ورجالا ونساءً بهجره وعدم التحدث معه لمدة زمنية محددة، وإذا لم يغيّر رأيه ليوافق على موقف الأغلبية، فإن المجلس يخبر ـ عن طريق ممثلي العائلات ـ جميع السكان ليقاطعوه ويسحبوا منه الثقة، وبذلك يصبح خارج الهوية الجماعية، ويدعى بالمعزول.

كان من الصعب على الفرد أن يهمش ويهجر ويقاطع من الجميع، لذلك فإن المتمرد سرعان ما كان يراجع موقفه ليقبل بقرار الأغلبية، وعندما يفعل ذلك فإن "الإمام"، الذي هو عادة المستشار الديني والقضائي للمجلس، يبارك هذا التحول ويزكيه. كان لهذه الأخلاقيات الجماعية الموحدة تأثير نفسي، وتربوي حاسم على الأولاد الصغار والشباب وكنت واحدا منهم، كما أسس للوعي بالجماعية وشجع على الالتفاف حول البنية الموحدة لسكان القرية، وكان هذا التراث خميرة للعمل الجماعي وحصنا منيعا حال دون نجاح محاولات المحتل الفرنسي في أن يخترق البنية العميقة المتمثلة في "الوحدة العضوية الشعبية" المتماسكة النابعة من الأرياف الجزائرية وهي التي أثمرت حركة التحرر الوطني الجزائري.
عمر أزراج: قصّة قصيدة 22 عمر أزراج: قصّة قصيدة 22 مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 9:28:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات