إعلان 728x90

غداً الدولة الفلسطينية، غداً، ودوماً غداً..

غداً الدّولة الفلسطينية، غداً، ودوماً غداً..
العدد:   102   التاريخ: 12/10/2011 
بقلم: ألين غريش Alain Greshعن صحيفة "لوموند ديبلوماتيك"(أكتوبر/ تشرين الأول 2011)


في العام 1948 ـ أما زال أحدٌ يذكر هذا التاريخ ؟ ـ ترددت الولايات المتحدة في الاعتراف بدولة إسرائيل. في العام 2011 لم تتردد قطّ في تعطيل انضمام الدولة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة. هذا الفيتو الذي شجّعها عليه الاتحاد الأوروبي يهدف مرةً أخرى إلى "تأجيل" القرار والرهان على على مفاوضات ثنائية يعود سبب فشلها إلى ازدراء إسرائيل للقانون الدولي.ُ
منذ القدَم شغلت فكرَ المناطقة مفارقة طرحها الفيلسوف الإغريقي زينون الإيلي : هل يستطيع أخيل البطل صاحب "العرقوب" أن يسبق سلحفاة إن هو منحها مسافة مائة متر متقدّمة عنه ؟ يُجيب زينون بالنفي لأن بطل الإلياذة لن يقوى أبداً على تجاوز السلحفاة، فهو قد يقطع أولاً نصف المسافة التي تفصله عنها، ثم يقطع نصف النصف الباقي من المسافة، وهكذا يظلّ يقطع نصف المسافة الباقية إلى ما لا نهاية، من دون أن تنتهي المسافة الفاصلة بينهما (راجع الجزء الرابع من كتاب "الطبيعة" لأرسطو).
هذا السباق الماراتوني الذي لا نهاية له خاضته منظمة التحرير الفلسطينية في سعيها بحثاً عن دولة؛ كل مرحلة تجتازها تبدو أنها تقرّبها من الهدف المنشود. لكن يبقى على الدوام نصف المسافة التي عليها أن تقطعها لبلوغ الهدف، إذ يبقى هناك على الدوام شرطٌ إضافي عليها أن تُستجيب له، أو يبقى تنازل آخر عليها أن تقدّمه، وهكذا.. في العام 1999 أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية أنها ستُقدِم على خطوة إعلان ولادة الدولة الفلسطينية في ختام الفترة الانتقالية المتمثلة بـ"الحكم الذاتي" للضفة والقطاع وفقاً لما نصّت عليه اتفاقيات أوسلو العام 1993. لكنها أجَّلت ذلك الإعلان تحت ضغط الولايات المتحدة الأميركية، لقاءَ إعلان الاتحاد الأوروبي في قمة برلين في آذار/ مارس 1999 "استعداده للاعتراف بدولة فلسطينية".
في آذار/ مارس 2002 أعلن مجلس الأمن تبنّيه قيام دولتين (إسرائيل وفلسطين) متعايشتين في المنطقة. في العام التالي أصدرت اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، اّلاتحاد الأوروبي وروسيا) "خريطة طريق" قضت بولادة دولة فلسطينية قبل نهاية العام 2005. بعد جمود المفاوضات دعا الرئيس بوش الابن إلى لقاء أنابوليس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007 (وهو أحد اللقاءات التي تحبّذها الأمم المتحدة، والتي يجلس فيها جنباً إلى جنب، فلسطينيون وإسرائيليون، سوريون ومصريون، روسيا وأوروبا..) صدر عنه بيان يرى أن ولادة الدولة يتكون في نهاية المطاف، في ختام العام 2008. وفي 23 سبتمبر/ أيلول 2010 أعرب الرئيس أوباما في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن أمله في رؤية دولة فلسطينية تنضمّ إلى المنظمة الدولية في سبتمبر/ أيلول 2011. بعد سنة على ذلك الخطاب أعلن أوباما أنه سيرفع الفيتو في وجه ذلك الانضمام.
هذا المسلسل الطويل من الوعود التي لا تنتهي والتي لم يتحقق منها ولا حتى وعدٌ واحد، حمل القيادة الفلسطينية على التوجّه مباشرة إلى الأمم المتحدة والانسحاب من المفاوضات الثنائية "من دون شروط مسبقة" أي الحرة في وضع يُشبه الثعلب "الحر" الذي يُطبِق على قفص الدجاج "الحر" هو الآخر. بتوجّهها هذا، اعترفت القيادة الفلسطينية بفشل استراتيجيتها السابقة.
في العام 1969، إثر هزيمة العرب في حرب حظيران/ يونيو 1967 التي شنّتها إسرائيل على سوريا ومصر والأردن، واحتلّت فيها الجولان وسيناء وغزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، أخذت حركات الكفاح المسلّح الفدائية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وأسقطت القيادة السابقة التي أفلست بتحالفها مع الأنظمة العربية. قام التوجّه الجديد لمنظمة التحرير على أسس ثلاثة: أولها، الكفاح المسلّح، وهو الأسلوب الأمثل في البلدان التي كانت تُعرَف في ذلك الوقت بـ"العالم الثالث"، حيث كان يجب "خلق فيتنام أخرى، بل فيتنامين، بل ثلاثة، بل فيتنامات كثيرة.." كما كان يقول أرنستو تشي غيفارا؛ وثانيها، تحرير فلسطين بأكملها (أي تدمير المؤسسات والبنى الصهيونية في إسرائيل عن بكرة أبيها) وإقامة دولة ديمقراطية يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود؛ وثالثها، استقلال القيادة الفلسطينية عن الأنظمة العربية بخاصة.
التقدّم الكبير الذي أنجزته منظمة التحرير هو نجاحها في جمع شمل الفلسطينيين جميعاً تحت رايتها، من المهندس الفلسطيني الذي يعمل في الكويت إلى الفلاح الفلسطيني الذي يعيش في الجليل مروراً بالفلسطينيين اللاجئين في مخيم برج البراجنة في لبنان، ونجاحها في تعزيز تضامنهم الوطني وإعلان إرادتهم وعزمهم على الاستقلال. خلافاً لذلك، أدّى فشلُ النضال المسلّح، ورفضُ القسم الأكبر من الجماهير الإسرائيلية لحلم الدولة الديمقراطية الجامعة، ومعارضةُ بعض حلفاء منظمة التحرير، حتى في "معسكر الدول الاشتراكية"، لفكرة تدمير إسرائيل، أدّى إلى توجّه منظمة التحرير نحو اعتماد النهج الدبلوماسي.
كانت القيادة الفلسطينية قد سجّلت بعض النجاح في هذا الميدان، فهي لم تنجح في جعل فلسطين في لبّ الخريطة السياسية فحسب (فقد أفلحت في جعْل مصير الفلسطينيين غير محصور في مشكلة "لاجئين"، بل يرقى إلى حق شعب فلسطيني في تقرير مصيره) بل ندحت أيضاً في انتزاع اعتراف الدول العربية بكونها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وفي العام 1974 استُقبِل ياسر عرفات استقبال الأبطال في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي غدت منظمة التحرير عضواً مراقباً فيها.
بيد أن ذلك التقدّم كان يصطدم على الدوام بعقبتين اثنتين هما إسرائيل والولايات المتحدة اًلأميركية اللتين كانتا على الدوام ترفضان التحدّث إلى "منظمة إرهابية". وكان لا بدّ من انقضاء سنوات عدّة من المشاورات التي لا تنتهي، وكان لا بدّ، بخاصة، من انتفاضة الحجارة في ديسمبر/ كانون الأول 1987 لكي يبدو جليّاً للجميع أن الوضع القائم خطير، ولكي تبدأ بعض الأصوات في إسرائيل تنادي بضرورة العمل على الوصول إلى اتفاق.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني ولادة الدولة الفلسطينية، ووافق على خطّة تقسيم فلسطين كما أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947.
أكّد ياسر عرفات توجّهَ منظمة التحرير الجديد في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة التي انعقدت في جنيف في 13 ديسمبر/ كانون الأول 1988. لكن واشنطن لم تقتنع بنزايا المنظمة، وفي الأسبوع التالي تلا الرئيس عرفات إعلاناً كتبته الإدارة الأميركية وأمْلت عليه قراءته (مقابل وعد بأنها ستعتبر منظمة التحرير الفلسطينية طرفاً صالحاً للتحاور معه) ينصّ على تخلّي المنظمة عن الإرهاب، وقبولها بالقرار 242 (الذي يحظر على إسرائيل ضمّ الأراضي الني احتلّتها بالقوة) واعترافها بإسرائيل. حينئذٍ بدا أن صفحةً طُوِيَت وأخرى جديدة انفتحت باتفاقيات أوسلو والمصافحة الشهيرة بين اسحق رابين وياسر عرفات تحت عين الرئيس الأميركي بيل كلنتون.
تغيّرٌ استراتيجي
تبيّن بعد 18 سنة أن النهج الذي التزمه ياسر عرفات وصحبُه كان نهجاً عقيماً وطريقاً مسدوداً، إذ لم يقُم في الضفة الغربية والقدس أي سيادة فلسطينية، وارتفع عدد المستوطنين اليهود ليبلغ اليوم 300 ألف مستوطن بعدما كان عددهم 100 ألف في العام 1993، كما ارتفع عددهم في القدس من 150 ألفاً إلى 200 ألف. اختنق الاقتصاد، ونسيت التقارير التي تحدّثت عن ازدهار اقتصادي كبير ستشهده الأراضي الفلسطينية أن تُشير إلى أن الناتج المحلي للفرد هو أدنى مما كان عليه في العام 2000، وأن حفنةً فقط من الفلسطينيين تستفيد وحدها من هذا الوضع. كذلك، فرضت السلطة الفلسطينية التي تعاونت مع الاحتلال الإسرائيلي بنجاح كبير في مجال محاربة "َالإرهاب"، فرضت سلطةً قمعية تضاهي السلطات القمعية في الدول العربية الأخرى.
اقتصَّ الناخبون الفلسطينيون من المسؤولين عن ذلك الفشل فصوّتوا لحماس في العام 2006 قبل أن يُجهَض انتصارَهم "المجتمعُ الدولي" المساند لمحمود عباس. إلا أن حماس لم تضع بين يدي الفلسطينيين استراتيجية موثوقة؛ فقد طرحت الكفاح المسلّح، وبقيت فعاليتها في هذا الميدان هزيلةً كما كانت في زمنَ الفدائيين بعد العام 1967. ومنذ 3 سنوات تقريباً فرضت على جميع المنظمات الفلسطينية في غزة التزام اتفاقية عدم إطلاق النار مع إسرائيل. أما سلطتها القمعية فتحاكي سلطة محمود عباس.
دامت هذه الأزمة طويلاً بشبّث كل من حماس وفتح بالسلطة. غير أن اليقظة العربية غيّرت المعطيات؛ فسقوط النظامين التونسي والمصري، ثم تشدد تركيا حيال إسرائيل، أضعفا واشنطن وتل أبيب بحرمانهما حليفاً قوياً هو الرئيس المصري حسني مبارك، في حين أن الانتفاضة في سوريا أضعفت حماس (...).
في إسرائيل، على الرغم من التظاهرات المعارضة للنظام النيوليبرالي، فإن الإغلبية الساحقة من الإسرائيليين التي هالتها الانتفاضة الثانية، وأقلقتها دعاوة قادتها السياسية، أيَّدت موقف الحكومة الإسرائيلية المتصلّب، حتى أن نتنياهو بدا معتدلاً بإزاء وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان. أما النائبة ورئيسة حزب العمال الجديدة شيلي ياشيموفيتش، فقد صرّحت مؤخراً أن مشروع المستوطنات "لم يكن جريمة ولا حتى خطيئة" لأن الحكومات العمالية هي نفسها التي كانت قد أطلقت ذلك المشروع (وهذا صحيح) ولأنه كان بالتالي"موضع توافق تام". وقد علّق هنري سييغمان، المدير السابق للمؤتمر اليهودي الأميركي على تلك التصريحات، بقوله: "فلنترك تلك الذريعة الغريبة التي تقضي بأن يكون التوافق بين لصوص مبرراً لسرقتهم. فإذا كانت مواقف كهذه يدافع عنها العماليون في إسرائيل اليوم، فكيف يمكن الاقتناع إذاّ بأن هناك بصيص أمل في السلام؟" (راجع مقالة هنري سييغمان في العدد الأخير من مجلة Foreign Policy ، سبتمبر 2011),
لماذا يرفض الإسرائيليون التوازن الحالي؟ يسود الأمن الضفة الغربية بفضل تعاون الفلسطينيين؛ وليس لعزل إسرائيل دولياً سوى نتائج ضعيفة ما دام التأييد الأميركي لها مستمراً، وما دام الاتحاد الأوروبي يصون امتيازاتها التجارية والاقتصادية والسياسية ويعمل على تعزيزها. وقد تمَّ مؤخَّراً قبول إسرائيل عضواً مراقباً في "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية" (CERN) مكافأة لها على امتلاكها 200 قنبلة نووية. لولا العقوبات الدولية على النظام العنصري في جنوب أفريقيا، ولولا عزله المتزايد دولياً، والتحرك الشعبي في الداخل، ولولا اكتُفِيَ بنوايا السكان البيض الطيبة وحدها، لما أمكن لجنزوب أفريقيا التخلّص من النظام العنصري.
إن عجز منظمة التحرير الفلسطينية عن الحصول على أي شيء بالمفاوضات، واضطراب الساحة العربية دفعا محمود عباس إلى التوجه نحو الأمم المتحدة لمخاطبتها مباشرة. إلا أن معنى هذا التوجه الأممي ما زال غير مفهوم: هل سيؤول إلى تغيير في الاستراتيجية، أم أنه لن يتعدّى المفاوضات ولكن بشروط أفضل بقليل؟
يبقى الشعب الفلسطيني على شكّه وحذره؛ وهو يعرف جيداً أنه سيظلّ بعد التصويت، وأياً كانت نتيجة هذا التصويت، يرزح تحت الاحتلال حتى ولو بقيت التهديدات الإسرائيلية والأميركية غير ذات صدقية؛ فهي ستُضعِف حليفها الفلسطيني الوحيد، وستعرّض للخطر التعاون الأمني بينهما والذي لا تفثيد منه إلا إسرائيل وحدها.
إذا استخدمت واشنطن حق الفيتو، فسيُضعِف ذلك مكانة الولايات المتحدة في المنطقة. وقد ذكر السفير السعودي السابق في السعودية تركي الفيصل، بأن ذلك "سيعجّل في نهاية العلاقات التاريخية بين الرياض وواشنطن"، (راجع "نيويورك تايمز" 11 سبتمبر 2011).
إن صفة الدولة المراقبة التي ظلّت سويسرا تتمتع بها حتى العام 2002 سيُفسِح في المجال أمام فلسطين لتصبح عضواً في محكمة العدل الدولية، كما في المحكمة الجزائية الدولية. ولئن كانت قرارات محكمة العدل لا تترتّب عليها نتائج مُلزِمة (كما حدث في العام 2004 حينما دانت هذه المحكمة جدار الفصل العنصري في إسرائيل، وبقي قرار الإدانة هذا حبراً على ورق) فإن قرارات المحكمة الجزائية يمكن لها أن تؤدّي إلى ملاحقة مسؤولين سياسيين وضباط وجنود عسكريين ومستوطنين إسرائيليين (بعضهم يحملون جنسيات وجوازات سفر فرنسية وأوروبية) بتهمة جرائم حرب (راجع: "إسرائيل وفلسطين بعد الأمم المتحدة..." في International Crisis Groupe 12 سبتمبر 2011).ذاهم
هذا بالتأكيد ما دفع ساركوزي إلى أن يطلب من الفلسطينيين الامتناع عن استخدام هذا الحق، كما طلب إليهم أن يستأنفوا المفاوضات من دون شروط مسبقة (على نحو ما تشتهي إسرائيل) واعداً إياهم بأن تُفضي تلك المفاوضات بعد سنة إلى نتائج مؤكدة، من دون أن يوضِح ما إذا كانت مهلة السنة هذه سيتمّ الالتزام بها، أم أنها ستكون كلاماً بكلام لتذهب مرةً أخرى أدراج الرياح.
أثبتت التجارب أن الفلسطينيين لن يخرجوا من هذا النفق المسدود، من دون أن يخلقوا توازن قوى مختلف يمكن لهم الوصول إليه عبْرَ اتحادهم واعتمادهم على الثورات العربية وعلى تعبئة الدعم من أجل الضغط على إسرائيل.

غداً الدولة الفلسطينية، غداً، ودوماً غداً.. غداً الدولة الفلسطينية، غداً، ودوماً غداً.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 7:48:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات