إعلان 728x90

مذكرات الطاهر الزبيري: الحلقة العاشرة

الأمر بتحرك الفيالق نحو البليدة للسيطرة على قيادة الناحية الأولى

image

زبيري يخطط لتحرير بن بلة للضغط على بومدين

وصول الأزمة بين العقيد زبيري والعقيد بومدين إلى ذروتها جعل الدولة تغلي بسبب عدم مرور التيار بين أقوى رجلين في الجزائر، وفي هذه الحلقة يوضح العقيد زبيري كيف تحوّلت الأزمة من اختلاف في وجهات نظر إلى صدام عسكري مؤسف.
  • بومدين يقرر اغتيالي غدرا
  • طيلة 44 يوما والأمور في أخذ وجذب بيني وبين بومدين، دون أن نصل إلى اتفاق ينهي حالة الجمود في أعلى هرم السلطة، وطيلة هذه المدة لم أكن أنوي مطلقا القيام بأي عمل عسكري ضد بومدين، ويخطئ من يظن أنني كنت أخطط للانقلاب على بومدين، بل كنت أضغط بكل ما أوتيت من نفوذ داخل السلطة من أجل إعادة الشرعية للبلاد وتخليصها من الحكم الفردي دون إراقة للدماء، لكني مع ذلك لم أستبعد كل الاحتمالات، وكنت جاهزا لكل الخيارات التي قد تطرأ في أي لحظة من اللحظات، لأن الأمور إذا لم تتجه نحو الانفراج فإنها بالتأكيد تقترب من الانفجار.
  • جاءني السعيد عبيد يوم 12 ديسمبر إلى البيت وكنا حينها في شهر رمضان وأخبرني أنه سيتكلم مع بومدين وسيبلغني نتيجة اللقاء على أن آتي للإفطار معه، فقبلت دعوته وقلت له:
  • ـ بعد أذان المغرب بعشر دقائق سأكون عندك في البيت.
  • وفي بيت السعيد عبيد الذي لم يكن بعيدا عن منزلي جلسنا نتناول إفطارنا بعد أن انقضى 12 يوما من رمضان، وكان معنا كل من العقيد عباس والرائد بن سالم، كانت وجوه ثلاثتهم حزينة، عابسة، تقطر صمتا، لم يكونوا يستلذون طعام الإفطار، وكأن أمرا جللا عجزت أن تحمله الأفئدة أو أن تنطق به الألسن، قبل أن يكسر السعيد عبيد زجاج الصمت منتقدا عودة بومدين إلى التشدد في مواقفه قائلا:
  • ـ عملنا عدة خطوات لحل الأزمة لكنه (بومدين) لم يقم بأي خطوة.
  • ثم التفت إلى العقيد عباس داعيا إياه أن يكشف لي ما عجز هو عن قوله:
  • ـ أخبر سي الطاهر بالموقف الأخير لبومدين.
  • لكن العقيد عباس اعتذر كمن لا يريد تحمل المسؤولية وقال:
  • ـ الأحسن أن تخبره أنت.
  • فتشجع السعيد عبيد وتحدث بقدر ليس بالقليل من الحرج:
  • ـ بومدين قال لنا أخرجوه من ثكنة الليدو وسأدعو إلى انعقاد مجلس الثورة بكامل أعضائه وسأفعل كذا وكذا لكنه لم يفعل أي شيء مما وعد.
  • ثم أضاف ليكشف أمرا أخطر من الأول:
  • ـ بومدين يجهز كموندوس بإمكانه القضاء على أي واحد منا، ويقول بأن قادة النواحي العسكرية هم من يضمنون أمنك، ولكن ليس لدينا أي ضمان.
  • عقدت الصدمة لساني بعد أن اعترف قادة النواحي العسكرية بعجزهم عن ضمان حتى أمنهم الشخصي، ما بالك بضمان أمني أو الوقوف إلى جانبي في صراعي مع بومدين، فبعد أن كانوا طرفا أساسيا في الصراع توقف دورهم عند الوساطة والحياد، بل صاروا أخوف على حياتهم بعد أن جهز بومدين رجالا من الكموندوس للاغتيالات الخاصة، وكان بالتأكيد رأسي ورأس السعيد عبيد والعقيد عباس وبن سالم وربما يحياوي أولى هذه الرؤوس التي سيتم قطافها.
  • أحسست بالندم لأني وثقت في تطميناتهم رغم أنني لم أكن مرتاحا بالمرة لوعود بومدين وعاتبتهم يوم لا ينفع العتاب وذكرتهم بما سبق وأن حذرتهم منه:
  • ـ وصلنا أخيرا إلى هذا الكلام.. قلت لكم في الليدو لن ينفذ بومدين أي شيء من هذه الوعود.
  • ثم أمرتهم بأن يلتحق كل واحد منهم بمركزه، وقد كانت خيبة أملي الأكبر في الرائد السعيد عبيد الذي كانت وحداته المسلحة في الناحية العسكرية الأولى كافية لوحدها للسيطرة على العاصمة ومختلف المقرات الرسمية، لكنه كان مترددا ولم يستطع أن يحسم أمره بل قام قبل ذلك بإبعاد الفيلق المدرع الذي احتميت عنده في الليدو إلى ولاية الشلف بدون علمي، لذلك بيّتُ أمرا حتى أخلصه من تردده، وغادرت بسرعة بيت السعيد عبيد حتى أختفي عن أنظار عيون بومدين.
  • خطتي لردع بومدين
  • رغم وصول أزمتي مع بومدين إلى ذروتها، إلا أنه لم يدر في خلدي أن أقتلعه من قيادة الدولة، ولم أكن أرى نفسي أهلا لهذه المسؤولية الثقيلة، لكني كنت أسعى لتجريد بومدين من عدة مسؤوليات خاصة رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع مع الإبقاء له على منصب رئيس الدولة ولتحقيق هذا الهدف قررت:
  • 1 ـ استدعاء جميع الفيالق الخاضعة لسلطتي المباشرة لاحتلال مركز قيادة الناحية العسكرية الأولى في البليدة لتخليص قائدها الرائد السعيد عبيد من تردده ووضعه أمام الأمر الواقع، خاصة أنني كنت أخشى أن يقوم بإبعاد الفيالق الموالية لي والخاضعة لسلطته المباشرة بعيدا عن العاصمة وعن مسرح العمليات مثلما فعل مع الفيلق المدرع بقيادة العياشي حواسنية من العاصمة إلى الأصنام (الشلف) دون علمي، لذلك أمرت فورا بتحرك الفيالق قبل أن يصدر السعيد عبيد أوامره، وبمجرد أن أبسط سيطرتي على قيادة الناحية العسكرية الأولى في البليدة حتى تصبح جميع فيالق الناحية تحت إمرتي، ومن هناك يمكننا تنظيم قواتنا قبل الزحف على العاصمة دون الحاجة إلى دعم بقية قادة النواحي العسكرية الأخرى الذين كانوا في معظمهم يقفون موقف الحياد في انتظار جلاء الصورة إلى من ستميل الكفة.
  • 2 ـ السيطرة على مكان اعتقال الرئيس المخلوع أحمد بن بلة في قصر هولدن الواقع على الطريق بين الدويرة (العاصمة) والقليعة (تيبازة)، حيث كنا نغيّر مكان احتجازه من حين لآخر، حتى نضمن عدم قيام أي كموندوس بتحريره، ثم التلويح بإطلاق سراح بن بلة الذي كان يخشاه بومدين كثيرا بسبب شعبيته في الداخل والخارج ومكانته التاريخية خلال الثورة، وهذا بهدف الضغط على بومدين بالقبول بجملة من الشروط أبرزها التنازل عن جزء من صلاحياته لمجلس الثورة، وإعادة الشرعية للبلاد، رغم أن إطلاق سراح بن بلة كان سيشكل تهديدا شخصيا لي كذلك، فلن ينسى بن بلة أبدا أنني من قام بتوقيفه وإنهاء أيام حكمه.
  • 3 ـ تشجيع الرائد محمد الصالح يحياوي قائد الناحية العسكرية الثالثة (بشار) والنقيب خالد نزار قائد لواء (مسؤول عن عدة فيالق وينحدر من نفس الجهة التي كنت مسؤولا عنها خلال الثورة) بالضغط على الشاذلي بن جديد قائد الناحية العسكرية الثانية (وهران) لدعمي في هذه الحركة.
  • 4 ـ دعوة أعضاء مجلس الثورة خاصة الذين حاول بومدين إقصاءهم كالرائد علي منجلي والعقداء التاريخيين وكبار ضباط الجيش لعقد اجتماع استثنائي، للتشاور حول الخطوات الأخرى التي يجب اتخاذها، وكنت سأوجه الدعوة إلى بومدين أيضا لحضور اجتماع مجلس الثورة بصفته عضوا فيه رغم توقعي بأنه لن يأتي.
  • 5 ـ تشجيع العمال للخروج في مظاهرات منددة بالحكم الفردي لبومدين، بالاستعانة بوزير العمل والحماية الاجتماعية عبد العزيز زرداني الذي أكد أنه سيطلب من الاتحاد العام للعمال الجزائريين التنديد بحكم بومدين والخروج في مظاهرات شعبية عارمة مما يعطي لحركتنا العسكرية بعدا شعبيا إلى جانب البعدين السياسي والتاريخي.
  • الأمر بتحرك الفيالق:
  • بعد أن أصبح في حكم المؤكد أن بومدين حسم قراره لصالح إنهاء الأزمة عبر التصفية الجسدية لخصومه، طلبت من موسى حواسنية (الذي كان الوحيد الذي يعرف مكان اختبائي) أن يستدعي على وجه السرعة الرائد عمار ملاح الذي كان يقيم حينها في فيلا بضواحي الأبيار، وجاءني عمار ملاح في تلك الليلة 12 ديسمبر 1967 إلى منزل يقع بالقرب من ثكنة الليدو في دار البيضاء شرقي العاصمة، حيث كان هناك الكثير من الضباط والجنود الذين أثق بهم متواجدون في هذه الثكنة، والذين تم تجميعهم قصد إرسالهم إلى الجبهة المصرية للمشاركة في حرب الاستنزاف ضد الصهاينة.
  • أمرت عمار ملاح بالاتصال بجميع الفيالق الوفية لنا وإعطائها الأوامر بالتحرك باتجاه البليدة بأقصى سرعة ممكنة، ورغم أن الأمر كان مفاجئا بالنسبة لعمار ملاح لأن قرارا من هذا الشكل يتطلب وقـتا لتحضير الفيالق واستدعاء جميع أفرادها والتزوّد بالوقود والذخيرة، إلا أن الوضع لم يكن يتطلب التأخير.
  • صبيحة يوم 13 نوفمبر أرسل الرائد عمار ملاح موسى حواسنية إلى الملازم معمر قارة في المدية لإعطائه الأوامر بالتحرك فورا نحو البليدة، فيما توجه هو إلى مليانة لإبلاغ الملازم عبد السلام مباركية قائد الفيلق الميكانيكي بالأمر بالتحرك، لكن هذا الأخير كان مترددا، واتصل هاتفيا ثلاث مرات بالملازم معمر قارة لاستشارته في الأمر، خاصة بعد أن اتصل به السعيد عبيد مسؤوله المباشر وأعطاه أمرا بعدم التحرك، وكذلك فعل مع معمر قارة، ولكنه لم يتصل بالعياشي حواسنية لعلمه بمدى ارتباطه بي.
  • وسأل مباركية قارة: هل نتحرك؟ لكن معمر قارة شجعه قائلا: نحن أعطينا كلمة للرجل ويجب أن نفي بها، وبالنسبة للملازم العياشي حواسنية فالأمر لم يكن يستحق النقاش.
  • شرع قادة ثلاثة فيالق بالناحية العسكرية الأولى في تحضير أنفسهم وجنودهم وآلياتهم للتحرك، وأنهوا جميع التحضيرات عصر ذلك اليوم وبدأوا في الزحف منتصف ليل 13 إلى 14 ديسمبر 1967 نحو قيادة الناحية العسكرية الأولى في البليدة من مليانة والشلف غربا والمدية من الجنوب الغربي على الشكل التالي:
  • 1 ـ الفيلق الميكانيكي بقيادة الملازم عبد السلام مباركية:
  • كان متمركزا في مدينة مليانة بعين الدفلى غربي العاصمة، وهو أقرب الفيالق إلى البليدة (نحو 50 كيلومترا)، وكانت مهمته تأمين وتطهير جسر بوروبي الواقع بالقرب من العفرون من القوات المعادية لتسهيل مهمة عبور الفيلق المدرع، لكن تردد مباركية وتأخره في تحريك القوات أعطى الوقت الكافي لقوات بومدين للسيطرة على جسر بوروبي الاستراتيجي قبلنا، وذلك بداية من مساء يوم 13 ديسمبر.
  • 2 ـ الفيلق المدرع بقيادة الملازم العياشي حواسنية:
  • لم ينتظر توفر شاحنات حاملة للدبابات والمدرعات للانطلاق نحو البليدة بل قاد الفيلق المدرع لأكثر من 150 كيلومتر في طرق ضيقة ومهترئة (على عكس ما هو عليه الحال الآن)، وهو ما دوّخ الخبراء العسكريين الروس واعتبروه عملية ثورية، لأن الدبابات تنقل إلى المناطق القريبة من المعارك في عربات كبيرة حاملة للدبابات، ولا تسير الدبابات المجنزرة بتلك السرعة مثل السيارات كما فعل بها العياشي حواسنية مما يعكس مدى حماسته وشجاعته.
  • 3 ـ فيلق المشاة بقيادة الملازم معمر قارة:
  • ولم يكن يفصله عن البليدة سوى نحو 100 كيلومتر فقط عبر طريق الشفة الجبلي والمتعرج، ولكنه وجد صعوبة في توفير الشاحنات العسكرية لنقل رجاله إلى البليدة فلجأ إلى شاحنات مدنية، ونظرا لأن طريق الشفة كانت جبلية ووعرة وزلقة بسبب الصقيع والثلوج، فقد فضل معمر قارة عدم المغامرة بقطع هذا الطريق والتجأ إلى طريق التفافية أطول تمر عبر جسر بورومي في العفرون، ولكنها أسلم حسب قراءته لحظتها، رغم أن طريق الشفة كان سيجنبه المرور عبر جسر بورومي، ولكن الأقدار كانت تخبئ لنا شيئا آخر.
  • الشاذلي أمر قواته بالوقوف مع الطرف الغالب
  • لم يكن بالإمكان إخفاء أمر تحرك الفيالق باتجاه البليدة عن أعين بومدين، حيث قام الرائد سليمان لكحل من جماعة العقيد شعباني بالتوجه من الشلف إلى العاصمة لإبلاغ مسؤولين في وزارة الدفاع بتحرك فيلق العياشي حواسنية فور خروجه من الشلف، مما أعطى بومدين وجماعته وقتا كافيا لتحضير أنفسهم للمواجهة.
  • وانتشر خبر تحرك الفيالق الوفية لنا بين قادة النواحي العسكرية، وكان الرائد محمد الصالح يحياوي قائد الناحية العسكرية الثالثة (بشار) من بين القادة الذين وصلهم الخبر لكن لم يصدر منه أي موقف.
  • أما الرائد الشاذلي بن جديد قائد الناحية العسكرية الثانية (وهران) وحسبما رواه لي النقيب محمد الصغير هلايلي، فبعد سماعه لخبر تحرك الفيالق الوفية لنا أرسل هو الآخر فيلقين للمشاركة في المعركة وكلف هلايلي بأن يسبق الفيالق إلى العاصمة وذلك يوم 13 ديسمبر لاستطلاع الوضع، وقال الشاذلي للنقيب هلايلي "إذا وجدت الأمور تميل للطاهر فقفوا مع الطاهر، وإذا وجدتم الوضع لصالح بومدين فقفوا في صف بومدين".
  • لكن النقيب هلايلي الذي كان متوجها من وهران إلى العاصمة اصطدم بحاجز للدرك في جسر بورومي، حيث وجد سيارته محاصرة وسط حشد كبير من السيارات والشاحنات بعد توقيف حركة السير ذهابا وإيابا، فترك سيارته وتوجه إلى العاصمة بطرقه الخاصة.
  • أما الرائد أحمد بن شريف قائد الدرك الوطني فوقف بجانب بومدين وحاول قطع الطريق على قواتنا الزاحفة قبل وصولها إلى هدفها، فعمد رجاله بمساندة وحدات عسكرية موالية لبومدين لوضع حاجز أمني على جسر "بوربي" الواقع على المدخل الشرقي لمدينة العفرون القريبة من البليدة، ومنعوا في تلك الليلة السيارات والشاحنات المدنية من الدخول أو الخروج بشكل أصبح الجسر مكدسا بالعربات المدنية بحيث يستحيل عبوره أو تجاوزه، وأكثر من ذلك قام رجال بومدين بتفخيخ الجسر بالمتفجرات.
  • قادة الولاية التاريخية الرابعة يلتحقون بي في الشبلي
  • توجهت يوم 13 ديسمبر إلى غابة الشبلي في ولاية البليدة أين يوجد كوخ لأحد أقارب سائقي بلقاسم بونوة الذي كان موضع ثقتي، واتخذت هذا الكوخ مركزا مؤقتا لقيادة العمليات العسكرية، بينما التحق الرائد عمار ملاح بفيلق العياشي حواسنية.
  • وفي فجر 14 ديسمبر التحق قادة الولاية الرابعة (وسط الجزائر) بمركز العمليات بالشبلي لتأكيد دعمهم لي ومساندتي في مواجهة بومدين، بالإضافة إلى العقيد الصالح بوبنيدر قائد الولاية الثانية ويزيد وشخصيات تاريخية أخرى كانت ناقمة على بومدين، كما كنت أنتظر أن تتحرك وحدات عسكرية كانت موالية لنا من منطقة الأوراس، وعدة مناطق أعلنوا دعمهم المسبق لي في أي عمل أنوي القيام به ضد بومدين.
مذكرات الطاهر الزبيري: الحلقة العاشرة مذكرات الطاهر الزبيري: الحلقة العاشرة مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 2:54:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات