إعلان 728x90

مذكرات الطاهر الزبيري: الحلقة الثالثة عشر

قررت الابتعاد عن الجزائر لإنهاء رحلة الخوف في الأوراس

قطعت حقولا من الألغام في الظلام وودعت الأرض الأخيرة

image
في الحلقة السابقة تحدث العقيد زبيري عن تحصّنه بجبال الأوراس التي كان آخر قادتها خلال الثورة، في محاولة لإعادة تجميع أنصاره بعد معركة العفرون لمناطحة بومدين مجددا ولكنه اليوم يكشف لنا كيف أنهى تمرّده في الأوراس وقرّر مغادرة الجزائر إلى المنفى الاضطراري.
  • إنهاء التمرد
  • في أواخر شهر ماي 1968 وجدت أن معظم رجالي الأوفياء تم إلقاء القبض عليهم، وفقدت الاتصال بمن تبقّى منهم خارج الاعتقال، ونظرت من حولي فوجدت أن الأوراس كلها لم تعد على استعداد للتمرد على سلطة بومدين، وكل من كان له علاقة بي من قريب أو من بعيد إلا وتم اعتقاله وتعذيبه والتنكيل به أو على الأقل وضعه قريبا من الأعين محاصرا برعب لا يدري متى يأتيه زوار الليل ليقتادوه إلى المكان الذي لن يرى النور بعده.
  • أردت أن أخفف من عذاب هؤلاء الناس الذين ساعدوني وألقي القبض عليهم وعذبوا أشد العذاب لوقوفهم إلى جنبي في أحلك الظروف، كان لابد أن أنهي رحلة الخوف التي سكنت الأوراس وعمّت الكثير من أرجاء البلاد وتأذى الكثير من الناس من التحقيقات الأمنية والمساءلات البوليسية والتعذيب، ولإبعاد كل هذه الهموم قررت أن أغادر الجزائر وأنهي التمرد العسكري وأطوي صفحته، خاصة وأن الأمور بدأت تبرد، ولم تعد الصحافة تكتب شيئا عنا، ومطاردات رجال الدرك والأمن العسكري خفت قليلا.
  • وبما أن ذكرى استقلال تونس قد اقتربت أخبرت محمد شبيلة أنني أنوي اللجوء إلى تونس، لكنه أكد لي بأنه لم يعد يقوى على المشي، فقد تقرّحت أرجلنا من طول المشي في الجبال والمنخفضات حتى أدمت، ولم نعد نقدر حتى على ارتداء الأحذية من كثرة الجراح والتقرحات وصرنا نمشي لمسافات قصيرة وكأننا نمشي فوق السكاكين الحادة والمسامير المدببة أو الزجاج المهشم، وسبّب لنا ذلك آلاما شديدة لا يحتملها الإنسان، حتى الحمى صارت ضيفتنا دون دعوة، ولكن لم يكن بأيدينا خيار، فالوقوع بين أيدي رجال قاصدي مرباح وعطايلية ليس أرحم من كل هذه الجراح والآلام.
  • أخبرت محمد شبيلة أنني سأقترب من مدينة الونزة التي تبعد عنا بنحو 10 كيلومترات وأرسل إلى شقيقي الحاج بلقاسم من يطلب منه أن يشتري له بغلا ويوصله إليه في الدوار الذي يختبئ فيه ليلحق بي بالقرب من الحدود التونسية، ولم أكن أدري حينها أن شقيقي الحاج بلقاسم قد استقال من رئاسة بلدية الونزة.
  • وقبل أن أغادر بيت عمي السعيد بوخرشوفة أعطيته 300 دينار هي كل ما تبقى لدي من أربعة آلاف دينار، وأخذت من بيت عمي السعيد بعض المؤن حتى أتقوت بها في الطريق.
  • فقراء ولكنهم رجال
  • ثقتي كبيرة كانت في أبناء المنطقة لأنهم كانوا يحبّونني ويتعاطفون معي لأني ابن الناحية، وقد تمكنت من ربط الاتصال مع عمي السعيد بنور وهو كبير الدوار، فقلت له "أعرف المنطقة بشكل عام ولكني أريدك أن ترسل إلى خلاف بوخرشوفة ليوصلني إلى مدينة عين البيضاء (ولاية أم البواقي)"، لأن هذه المدينة يقطنها عرش الحراكتة الذي أنتمي إليه، والذي بإمكانه أن يوفر لي بعض الحماية إلى غاية وصولي إلى الحدود.
  • فأرسل عمي السعيد إلى خلاف وطلب منه أن يرافقني إلى عين البيضاء، ولم يجد خلاّف سوى الاستجابة لكبير الدوار الذي كان مجاهدا محترما وكلمته مسموعة بين أبناء الدوار، وطلبت من خلاف أن يصحبني ويدلني على الطريق بين مدينتي عين البيضاء وأم البواقي، وسرنا ليلا وذئاب الخوف تلاحقنا، فرجال الدرك والشرطة والأمن العسكري لم تتعب من مطاردتنا رغم مرور ستة أشهر على حركة 14 ديسمبر 1967، فالكل يريد أن يلقي عليّ القبض حيّا أو ميّتا ليتقرب برأسي من بومدين حتى يرفع قدره ورتبته العسكرية.
  • وبصعوبة بالغة وصلنا إلى منطقة شمال مدينة عين البيضاء بعد أن تجاوزنا إحدى الغابات وتراءت لنا مدينة عين البيضاء من بعيد، وحينها خارت قواي ولم أقدر على مواصلة المسير، رغم أني كنت أرتدي حذاء رياضيا إلا أن قدماي المثخنتين بالجراح والتقرحات لم تسعفانِ للسير أكثر على أرض وكأنها مغروسة بالسكاكين، أو أنها أرض غير تلك الأرض التي كناّ نسير فيها إبان الثورة في الليالي الماطرة والأيام الرامضة (الحارة) وقوات العدو الفرنسي تطاردنا من كل الجهات برا وجوا.. كنا نسير عشرات الكيلومترات في القاعدة الشرقية وفي الأوراس لتفقد وحدات جيش التحرير في مختلف المناطق والنواحي ونادرا ما نستعمل السيارات في التنقل، وبعد الاستقلال لم نعد نمشي كثيرا ولا نتنقل إلا في السيارات والطائرات وكأننا صرنا بورجوازيين وأصبحت أرجلنا وأيدينا المخشوشنة أكثر طراوة، فلم تسعفنا عندما تقلبت الظروف.
  • الحفاظ على سرية تحركاتنا كان الرهان الأهم لتفادي الاعتقال، لذلك تركزت تحركاتنا ليلا في المناطق التي نحظى فيها بتعاطف الناس ولا نتصل إلا بمن نثق في سريتهم، وفي عين البيضاء كنت أعرف مجاهدا من طينة الرجال الأفذاذ يدعى "سعيد 86" الذي كان بطلا مغوارا خلال حرب التحرير، كان يهاجم الدبابات الفرنسية دون أن يخشى الموت، وكنت على اتصال به هو و "مصطفى قاسمي" و"باكي البرجي" من مسكيانة عندما كنت مختبئا عند عمي السعيد بوخرشوفة.
  • المعزة المحدقة
  • في تلك الليلة جلست أسفل قنطرة صغيرة على الطريق الرابط بين عين البيضاء وسدراته (سوق اهراس)، وكنت مرهقا جدا وأردت أن أرتاح، فأخذتني سِنَةٌ من النعاس، فغفوت قليلا ولم أستيقظ إلا على صوت هدير إحدى السيارات التي عبرت القنطرة، ونظرت من حولي فإذا الصباح قد انبلج ولمحت شخصا يرعى قطيعا من الماشية غير بعيد عنّي، إلا أن معزة ابتعدت عن القطيع واقتربت مني ثم توقفت وأخذت تحدق بي باستغراب وكأنها لم ترَ من قبل "قائد أركان" نائما تحت قنطرة، وخشيت أن ينتبه الراعي إلى معزته "القاصية" فيأتي للبحث عنها ويكتشف أمري وقد يعرّض ذلك حياتي للخطر، فبادلت المعزة التحديق حتى انصرفت.
  • بقيت مختبئا تحت القنطرة إلى أن غربت الشمس، فنهضت لأواصل مسيري نحو الحدود التونسية، إلى أن بلغت أحد الأكواخ وكان هناك ثلاثة رجال جالسين حول نار موقدة بالحطب بالقرب من الكوخ، فناديت عليهم "يا سي محمد..."، فجاءني أحدهم، فأخبرته أني عابر سبيل، فسقوني وأطعموني رغم فقرهم المدقع الذي يظهر من خلال ملابسهم الرثة وكوخهم البسيط، إلا أنهم كانوا مشبعين بالكرم، ولأني كنت مرهقا سألتهم إن كان لديهم بغل أكتريه من عندهم، فأقسموا أنهم لا يملكونه، فتأسفت للأمر وواصلت طريقي وحرصت أن لا يعرفوا اتجاهي ولا مقصدي.
  • وصابرت نفسي على المسير، فكنت أمشي وأرتاح من حين لآخر حتى طلع النهار، وسرت على أحد المسالك الترابية حيث بدأ الناس يحصدون الشعير، ولمحت شخصا يسير من خلفي فأبطأت حتى اقترب مني، فسألته إن كان يمكنه أن يقدم لي رغيف خبز، فطلب مني أن أرافقه إلى أحد المنازل، وعندما دخلت عنده وجدت رجلا يدعى صالح المرواني أعرفه جيّدا لأن أحد أقاربه كان يسكن في قرية وادي الكبريت (بولاية سوق اهراس) التي ترعرعت فيها، وكان المرواني يزوره من حين لآخر، لكنه اليوم لم يتعرّف عليّ أو تظاهر بأنه لا يعرفني، كما أني لم أسعى لتذكيره، خاصة وأن الحمّى أرهقتني، فقدموا لي كسرة بالزبدة وجاؤوني بفنجان من القهوة التي كانت بقدرها في ذلك الوقت.
  • وأعطاني المرواني بغلا وأرسل معي شابا أبكما وأصما حتى يُرجع البغل معه بعد أن يوصلني إلى مقصدي، فركب من ورائي، وكنت أوجهه لأنه لم يكن يعلم إلى أين أنا ذاهب، فقد كنت أعرف هذه المنطقة جيدا لأنني اقتربت من قرية أم العظايم (بولاية سوق اهراس) التي ولدت فيها، ولم يكن يفصلني عنها سوى نحو 10 كيلومترات، ورغم أن هذا الشاب كان أبكما وأصما إلا أنه كان شديد الذكاء، فقد تمكن من التعرف على حقيقتي وكان يطلق إشارات توحي بذلك، رغم أني حرصت على تغيير شكلي بإطالة شاربي وارتداء القندورة ووضع اللحاف على رأسي حتى أصبحت أشبه أهل البادية.
  • لما بلغنا "وادي الهمازة" بالقرب من قرية أم العظايم وجدنا قطعانا من الماشية ترتوي من ماء الوادي قبل أن تعود إلى الزريبة لتحتمي من حرّ شمس الظهيرة، فنزلت من على ظهر البغل وقدمت للأبكم 20 دينارا ففرح بها أيّما فرح، ورجع عائدا إلى صاحبه، بينما قصدت الراعي الذي كان يسقي الماشية فسألته عن صاحبها فقال لي "إنها لصالح خلفاوي"، فوجئت لسماع هذا الإسم الذي لم يكن سوى أحد أقاربي، فقلت للراعي:
  • ـ قل له يأتيني... فأنا الطاهر.
  • فجاءني صالح خلفاوي خائفا يترقّب وقال لي:
  • ـ إن العسكر يتربّصون بك ليلا ليلقوا عليك القبض والكل يعرفونك جيّدا وعندما يكثر الكلام فإنه لابد أن يصل إلى آذان العسكر، لذلك أنصحك بأن تذهب عند ابن عمك محمد (ابن عمي شقيق) الذي لا يبعد من هنا سوى بكيلومترين اثنين أو ثلاثة.
  • كان صالح متزوجا من امرأتين وله أطفال كُثْرٌ وخشي أن يُخْرِج أحدهم سري، خاصة أن كلابه كانت تنبح كثيرا ليلا في الفترة الأخيرة، فاعتقد أن رجال بومدين يراقبون بيته، ويترصّدونه للإيقاع بي في كمين عنده.
  • ولما رأيت الخوف في عيون صالح تركته وغادرت المكان بعد أن دلّني إلى مكان ابن عمي محمد الذي كان الوحيد من عائلتنا الذي بقي في هذا الدوار يحرث الأرض بعد أن رحل جميع أفراد عائلة زبيري إلى القرى والمدن القريبة على غرار سدراتة وأم العظايم التي تحولت إلى بلدة بعد أن كانت مجرد دوار.
  • وصلت إلى بيت ابن عمي المتواضع والمعزول وحده ولاحظت أن لديه بعض الأغنام والماعز والأبقار، فكان وضعه المادي مقبولا إلى حد ما، وكنّا نادرا ما نلتقي رغم أنه جاءني مرة إلى قيادة الأركان وهو سعيد وفخور بي عندما كنت الرجل القوي في البلاد، وكنت أعطف عليه ومنحته بعض المال وأهديته سترة أنيقة أعجبته كثيرا.
  • لم أجد محمدا في البيت لكني وجدت شقيقه الذي كان أطرشا لا يسمع جيدا إلا أنه يتكلم فسألته عن محمد، فأخبرني أنه ليس في البيت، فطلبت منه أن يرسل في طلبه حالا، وجاءني محمد بسرعة، واستقبلني برحابة صدر رغم أن قضيتي صارت كارثة على آل زبيري وعلى العرش وعلى الأوراس وعلى كل من يعرفني في هذه البلاد بسبب المطاردات الشرسة لرجال بومدين لنا.
  • أكرمني ابن عمي وقدم لي غداءً من مرق البطاطا ثم جاءني بفنجان قهوة، وتبادلنا أطراف الحديث قبل أن أطلب منه أن يتدبر لي حصانا أو جدور (بغل)، لكنه لم يملك لا هذا ولا ذاك، إلا أنه أكد لي بأنه سيتدبر حصانا من عند صالح خلفاوي، وخرج قاصدا صالح بينما ارتحت في بيته قليلا، وجاءني بحصان خامل نوعا ما ولكنه يمشي على الأقل، وقبيل المغرب بقليل تحركت مع ابن عمي قاصدين بيوت الكواوشة الموجودة في الجنوب الشرقي لمدينة العوينات (ولاية تبسة).
  • حقول الموت
  • كنت راكبا الحصان وابن عمي يمشي ممسكا بلجامه ولم يكن يعرف أين تقع بالضبط بيوت الكواوشة ولكني كنت أعرفهم جيدا من أيام ثورة التحرير، حيث كان بيت الحاج عمار بغدوش مركزا لجيش التحرير الوطني بالمنطقة المعروفة بخط موريس المكهرب والمزروع بحقول من الألغام الموروثة عن العهد الاستعماري، حيث كانت مدينة العوينات شبه محاطة بالأسلاك الشائكة لتجتمع في خط رئيسي عندما تبتعد عن المدينة، وعلى بعد نحو 20 كيلومترا يوجد خط شال الأكثر شراسة والذي أوقع مئات الشهداء إبان حرب التحرير، بل إن المنطقة الحدودية مع تونس كانت مزروعة بملايين الألغام التي أوقعت الكثير من الضحايا حتى بعد الاستقلال وإلى يومنا هذا، فمجرد التفكير في عبور هذه المنطقة يعتبر مجازفة حقيقية خاصة عندما تتحرك ليلا دون معالم واضحة.
  • فضّلت السير على الطريق المعبّدة الرابط بين العوينات وتبسة بدل المغامرة في المشي وسط حقول الألغام، ولما بلغنا خط موريس الشائك وجدنا فجوة مررنا عبرها، إذ أنه بعد الاستقلال أخذ الناس الأسلاك الشائكة والأعمدة واستعملوها ولم يبق من الخط الشائك سوى الألغام، وقطعنا قنطرة كبيرة بنيت فوق وادي ملاق، ولحسن حظنا لم تمر أي سيارة من هذا الطريق ليلا، وتجاوزنا مدينة العوينات مبتعدين عن أطرافها، واتجهنا نحو "جبل القلب" القريب من مدينة العوينات.
  • كان الليل دامسا والرؤية شبه معدومة ولم نستطع تحديد موقعنا بالضبط، فذهبنا ورجعنا وصرنا ندور في دائرة شبه مفرغة في منطقة خطرة نصب فيها خط موريس المكهرب الذي لم يبق منه سوى الألغام التي لا يمكنك أن تراها ولو نهارا، وفي ظل هذا التيهان كنت أصغي السمع لعل نباح كلب يطرق باب أذني حتى يدلني على بيوت الكواوشة التي كنت متأكدا أنها غير بعيدة عنا.
  • سرنا قليلا باتجاه لا نعرفه إلى أن سترنا الله بنباح كلب أعاد لنا الأمل في تصحيح مسارنا، ومشينا باتجاه النباح إلى أن وصلنا أخيرا إلى بيوت الكواوشة، وكنت أعرف شخصين منهم جيدا وشقيقي بلقاسم، رحمه الله، يعرفهما أكثر، لأنه عمل معهما في منجم الحديد بالونزة، أحدهما يسمى "العيد" والثاني يسمى "محل العين السواق" ولقب بالسواق لأنه كان يرتاد الأسواق كثيرا ليشتري ويبيع.
  • عندما ناديت باسم "محل العين" كانت الشمس لم تسطع بعد أنوارها، والفجر ظل متشبثا بظلمة الليل، ومع ذلك خرج محل العين السواق من كوخه وصاح وكأنه يتعوذ من طارق الليل:
  • ـ شكون (من)؟
  • فقلت له:
  • ـ الطاهر زبيري.
  • فكانت مفاجأة بجلل لم يتوقعها محل العين السواق، رغم أنه سمع بأني تركت قيادة الأركان وصعدت الجبل، ورحّب بي أيّما ترحيب غير مبال بالمخاطر التي قد تواجهه بسبب استقباله لي، وكانت عيون الكواوشة تقطر فرحا وحبورا بوجودي بينهم، وأكرموني أشد الكرم وقدموا لي أعز ما يملكون من العسل والكسكس والزبدة، وأفطرت معهم بشكل جيد، أعاد الحيوية لجسدي المنهك ورفع معنوياتي المحبطة، وتحدثنا عن الوضع في البلاد وقضيتي مع بومدين، فقالوا لي والألم يعتصرهم:
  • ـ كنا نراك نوارة طالعة فإذا بهم حشوها..
  • وعمل حركة بيده أضحكتني، ثم أضاف بشيء من خيبة الأمل:
  • ـ أخذوها المعاليم.
  • وكانوا يقصدون في رأيهم البسيط والمتأثر بجغرافية المنطقة دوار القنانزة، الذين كانوا خصومهم في الأزمان القديمة.
  • وسألني الكواوشة عن المسلك الذي قطعته للوصول إليهم، فأخبرتهم عن المكان الذي قطعناه وكيف تُهنا ليلا قبل أن نهتدي إليهم من خلال نباح كلب، فضرب »محل العين« أخماسا على أسداس وقال لي بعد أن تخاطفته مشاعر القلق والارتياح:
  • ـ مساء أمس فقط قتلت الألغام حمارا وبقرة في نفس المكان الذي عبرت منه.
  • فحمدنا الله على النجاة والسلامة، وقبل أن أغادر أخبرت جماعة الكواوشة بأنني لن أبقى معهم وإنما أطلب منهم أن يبعثوا معي شخصا يوصلني عند عمار قدوش الذي كان بيته مركزا لجيش التحرير خلال الثورة بوادي بوسبعة شرقي جبل بوخضرة على الحدود التونسية.
  • وخشية أن يكتشف أحد الجيران أو عيون الأمن العسكري أمري، لجأ الكواوشة إلى حيلة لإخراجي من المكان دون أن يشعر بي أحد، فهيّأوا لنا بغلا وحمارين، ورافقني اثنان من أبنائهم في العشرينيات من عمرهما، وكانت بالقرب منّا غابة، فتحركنا وكأننا ذاهبون للاحتطاب منها.
  • سرت مع الشابين إلى جبل بوخضرة أين يقع منزل عمار بقدوش على الجانب الآخر من الجبل على بعد ستة كيلومترات، بينما عاد ابن عمي مع الحصان إلى الدوار، ولاحظ أحد الشابين طراوة يدي ونظافتهما، فطلب مني أن أخفيهما حتى لا يفتضح أمري، لأن أهل البادية معروفون باخشوشان أيديهم، أما الشاب الثاني فكلفته أن يأخذ رسالة إلى شقيقي الحاج بلقاسم في الونزة حتى يرسل إلى محمد شبيلة حصانا إلى دوار قنيف أين يقيم عمي السعيد بوخرشوفة ليلحق بي إلى تونس.
  • الأرض الأخيرة
  • كان الوقت عصرا عندما وصلنا أخيرا إلى بيت عمار بقدوش قبل دخول الأرض التونسية، وناديت عليه فخرج إليّ، وكان يعرفني جيّدا فطمأنته قائلا:
  • ـ لست هنا لأبقى معك ولكني سأغادر هذا المكان قبيل المغرب، وألغام خط شال بالقرب منكم ولكني أعرف جيدا أنكم تجتازون بقطعانكم حقول الألغام إلى الطرف الآخر من الأراضي الجزائرية القريبة من الحدود حتى ترعى أغنامكم في هذه المراعي، وأرغب في أن تساعدوني على اجتياز حقول الألغام بأمان.
  • فطمأنني عمار قائلا:
  • ـ سأرسل معك ابني حتى يساعدك على اجتياز حقول الألغام من خلال ثغرات معلومة من خط شال.
  • وبعد صلاة العصر جاؤوني بالعشاء، وأرسل بقدوش إلى ابن أخيه الذي يدعى أحمد حتى يكون مرافقي إلى ما وراء حقول الألغام، وقبيل المغرب انطلقت مع أحمد باتجاه خط شال واجتزته بسلام فيما عاد أحمد إلى بيته، واصلت الطريق منفردا إلى داخل الأراضي التونسية، بعيدا عن بومدين وقاصدي مرباح وعطايلية ورجال الأمن العسكري والدرك والشرطة، وبعيدا عن كل من يمكن أن تشترى ذمته ليقوم بالوشاية بي حتى يقبض علي. لكن، رغم ذلك فخوفي من المجهول بقي يطاردني حتى على الأراضي التونسية، لأنني وببساطة لم أخطط لذلك وكان هدفي هو الوصول إلى القيادة الجماعية وتطبيق ما تم الاتفاق عليه قبل التصحيح الثوري بالعودة إلى الشرعية وبناء الدولة التي حلم بها الآباء المفجرون للثورة (بن بولعيد وأصحابه).
مذكرات الطاهر الزبيري: الحلقة الثالثة عشر مذكرات الطاهر الزبيري: الحلقة الثالثة عشر مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 3:05:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات