إعلان 728x90

حول مشروع البروفيسور الراحل محمد أركون: الفكر النقدي سبيلا إلى الأنسنة



حول مشروع البروفيسور الراحل محمد أركون: الفكر النقدي سبيلا إلى الأنسنة

أ/ أحمد دلباني
1- توطئة ضرورية:
كتبنا قبل مدة نتساءلُ عن أسباب غياب مفكر بحجم البروفيسور الراحل محمد أركون عن الفضاء الثقافي وساحة النقاش الفكري في الجزائر اليوم. وكان تساؤلنا يصبُّ في سياق الوعي بضرورة استحضار العقل النقدي والعُدة المعرفية الطليعية من أجل ممارسة النقد الجذري لراهن يسيطر عليه المخيال الديني والفوضى الدلالية للأشياء؛ ومن أجل الكشف عن عقم الوضع الذي أصبح يحتفي بالدُعاة والمبشرين ويُبرمج لغياب السؤال والفكر النقدي والفعل المعرفي البعيد عن ألاعيب السلطة وعن محاولات الهيمنة الرمزية على الفضاء السوسيو- سياسي.

 لقد راعنا ما تعيشه الجزائر من نكوص ثقافي وسياسي أصبح يشجع، أكثر فأكثر، على انتشار الخطاب الديني الأصولي - في أكثر أشكاله تقليدية - على حساب ثقافة المساءلة والمراجعة النقدية والعلم. كأن هناك تواطؤا مع خيبة الوضع العام جعل الحقيقة رأس مال رمزياً يُستثمر ويُحرس رسميا، وجعلها تنهل من المخيال الديني الخلاصي ومن الضغط السوسيولوجي لا من الاختبار النقدي أو السؤال المعرفي / التفكيكي. هذا، برأينا، دافع من الدوافع التي تهيبُ بنا أن نتحدث بمرارة عن مشروع فكري رائد لم تكن الجزائر المستقلة – المُتشرنقة في حصونها الإيديولوجية – على موعد مع فتوحاته واستبصاراته.
يعرف الجميع أن ما يؤسسُ لأهمية الفكر الأركوني هو أنه فكرٌ مفتوحٌ على المساءلة النقدية وعلى المراجعات التي لا تهادن الواقع الانفجاري الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية، ولا تغضُ الطرف عن التلاعب الإيديولوجي الحاصل في صورة طروحات يهدف أصحابها إلى الهيمنة على الفضاء الاجتماعي واقتناص السلطة باسم الشرعية الدينية في ظل تراجع شرعية السلطة السياسية للدولة القومية العربية منذ 1967 تحديدا، وفي ظل يأس الجماهير العربية الذي تغذيه – منذ مدة طويلة – عوامل داخلية وخارجية معروفة. لقد تزحزحت مُشكلة الشرعية تحت ضغط المرحلة الهوجاء من أرضية الأحلام القومية والتقدمية ومشاريع التحديث العرجاء، إلى أرضية البحث عن طوق النجاة في الأصولية الدينية بوصفها الملاذ الوحيد للهوية في عالم ساحق تعثر فيه التاريخ وكشف فيه عن وجهه السديمي.
2- الأفق المعرفي للمشروع الأركوني:
يقترح البروفيسور محمد أركون في دراساته للفكر العربي – الإسلامي والظاهرة الإسلامية، برنامجا ضخما محاولا اجتراح آفاق النقد المحرر من أسر الكليشيهات والمسبقات التي أبقت الإسلام التاريخي الموروث من جهة، والفكر الغربي الحداثي الكلاسيكي من جهة أخرى، أسيرين للنظرة الجوهرانية غير التاريخية للأشياء، وأسيرين للصدامات الأكثر عنفا. إنه يقترح المساءلات الأكثر جذرية من أجل خلخلة أنظمة التصور العتيقة التي خلفت لنا أنظمة لاهوتية وفكرية للاستبعاد المتبادل. من هنا، ينفتح الفكر الأركوني على أكثر منجزات الفكر المعاصر طليعية في مجالات القراءة والحفر الذي لا يتواني في الذهاب بعيدا في كشف النقاب عن الأنظمة المعرفية المختلفة، مضيئا أبعادها التاريخية ومشروطياتها الإبستيمية وتجذرها في المحددات الأنتروبولوجية للوجود البشري بعامة. إنه منقب عن المعنى، يهجم على ما تكرس وساد ثقافيا بعدة التفكيك بغية إماطة اللثام عن عمليات التمويه والأسطرة التي تطال – ضرورة – كل الأنظمة الثقافية المرتبطة بعصر تدشيني أول، نظير الظاهرة التاريخية الإسلامية.
هذا فكر متعدد المداخل، ولكننا نستطيع أن نحدد طموحه العلمي والإبستيمولوجي في محاولة توسل السبل إلى تدشين نزعة إنسانية كونية، تدمج المثال الإسلامي ضمن سياق مساءلاتها للوضع الإنساني من أجل تجاوز الانغلاق الذي ميز كل أنظمة الفكر في التاريخ. هذا ما يجعل البروفيسور أركون يبدأ – بوصفه مؤرخا للفكر الإسلامي – بنقد " العقل الإسلامي " بما هو جملة من الآليات المعرفية التي ترسخت وأصبحت سمة على المواقف المبدئية للرؤية الإسلامية، محاولا رسم حدوده العامة، الإبستيمية والتاريخية، في مقارنة بينه وبين العقل الحديث الذي تخلص – شيئا فشيئا – من مرجعية المتعالي والميتافيزيقا الجوهرانية لينفتح على النسبي والتاريخي. لقد أراد أركون أن يتنطح لمسألية المعنى من هذه الزاوية، أي زاوية التاريخية التي رأى فيها الغائب الأكبر في الوعي الإسلامي قديما وحديثا. إن بُعد التاريخية، أي تاريخية الأفكار والأشياء والمعاني، هو المدخل الرئيس لفهم فكر أركون، وهو يمارس عملية النقد لكل فكر يستبعد أو يحذف مشروطياته المادية والرمزية ليخلع عليها بردة التقديس والتعالي الأنطولوجي. إن ضمور الوعي بتاريخية الأشياء، بالتالي، يشكل عائقا أمام تحرير النظر إلى العالم في صيرورته، ويشكل عنفا رمزيا يتخذ صفة المضمرات والمسبقات التي تأسر دائرة الثقافة في وهم الاعتقاد بالخصوصية اللاتاريخية، وفي وهم الهويات المتعالية التي تنشط في أزمنة التغيرات الكبرى بوصفها ملاذا في عالم غير آمن. هذا ما يلاحظه البروفيسور أركون بالنسبة للواقع العربي – الإسلامي اليوم. إن الفهم الجيد للأمور، بالتالي، يتطلب الخروج الكلي من المسبقات جميعها، لاهوتية كانت أم إيديولوجية، ويتطلب أيضا عدم الركون إلى مسلمات الوعي الأسطوري غير التاريخي في مسائل النظر إلى الظاهرة الدينية في تعقيدها؛ كما يتطلب تفكيكا منتظما لأنظمة التصور وأطر الإدراك التي يهيمن عليها المتخيل الاجتماعي والحقائق السوسيولوجية الشغالة نظير ما نجد اليوم عبر كل أرجاء العالم الذي تغطيه، قليلا أو كثيرا، الظاهرة الإسلامية.
هذا في الجهة الإسلامية، أما في الجهة الغربية فيلاحظ أركون دوام سيادة المسبقات الاستعلائية في النظر إلى الآخر- ومنه العالم الإسلامي – نظرة كرستها الحداثة الغربية تحديدا منذ أفصحت عن وجهها من خلال الاستعمار وإرادة الهيمنة على العالم القديم. لقد رسخت الحداثة الظافرة، منذ القرن الثامن عشر، رؤية تقدمية للتاريخ وجعلت من أوروبا مركز العالم المجسد لمسار التاريخ الحتمي نحو الانعتاق الشامل للإنسان. لقد ظل من الصعب، بالتالي، على الوعي الغربي في عمومه أن يتجاوز مركزيته إلى وعي جديد يحترم فيه كل الثقافات بمعزل عن مسبقاته اللاهوتية والثقافية والحضارية، وينفتح فيه على النسبية بمفاهيمها الشاملة، الثقافية والفلسفية. لم يحدث هذا إلا في مرحلة متأخرة نسبيا، وفي ظل مراحل تاريخية خلخلت المركز الغربي بانتفاضة الهوامش، ما دعا العقل الغربي إلى إحداث مراجعاته الشاملة لأسس حضارته ولبنية وعيه العام الذي ساد تاريخيا وكرس النرجسية المتعالية للذات الأوروبية المزهوة بكونها مركز العالم. يستثمر البروفيسور أركون هذا المنجز النقدي المعاصر من أجل تحرير النظر إلى التراث الإسلامي، لا من النظرة الإسلامية التقليدية فحسب، وإنما أيضا من المنظور الاستشراقي الكلاسيكي الذي ظل خاضعا، قليلا أو كثيرا، لمسبقات المركزية الغربية في النظر إلى الآخر نظرة دونية غير موضوعية.
يندرج هذا الأمر طبعا ضمن خط الهاجس الذي سيطر على تفكير أركون منذ بدايات نشاطه الفكري ومثل خط نضاله الدائم: نقصد السعي إلى تدشين شروط نزعة إنسانية كونية جديدة تستثمر فتوحات العقل النقدي المعاصر، متجاوزة الانغلاق العرقي المركزي للإسلام والغرب معا، في الأشكال الحضارية التي تلبساها، ومنفتحة على الاحتجاجات الأكثر طليعية للحداثة الفكرية في مجالات نقد التمركز وخلخلة أنظمة الفكر التي ظلت قلاعا منيعة لا تخترق. من هنا، يعتقد أركون أن كونية النزعة الإنسانية الجديدة لا يمكن أن تنبثق – بوصفها وعيا وممارسة – إلا من خلال العمل الشاق والصعب للفكر المعاصر الذي يبدو أنه مازال يسير في أرض ملغمة تنذر بالانفجارات. هناك شروط عديدة، ثقافية وسوسيو- اقتصادية وسياسية ما زالت تحول دون انبثاق وضع جديد يتمتع فيه الإنسان بكل حقوقه الكونية بوصفه إنسانا، خارج التقاليد التي مازالت تمثلها أنظمة ثقافية وإيديولوجية عتيقة مازالت توفر – بوصفها هويات – ملاذا آمنا للملايين من البشر في مرحلة تاريخية تشهد تغيرات سريعة، ولم تحقق نهاية سعيدة للتاريخ كما اعتقد نبي العولمة في صيغتها الليبرالية الحالية، فرانسيس فوكوياما(1).
3- النزعة الإنسانية وجذورها في الحضارة الإسلامية:
من المُسَلم به أن النزعة الإنسانية - في شكلها التاريخي المعروف - كانت وليدة أوروبا في نهاية العصور الوسطى وبداية ما سمي " عصر النهضة " على ما يرى تقليدي تأريخي أوروبي. وقد تميزت عموما بكونها مرحلة عرفت حركة واسعة من الانفتاح على الثقافات القديمة، الإغريقية والرومانية، وعرفت نوعا من التجاوز، بل والتشكيك في مسبقات الوعي اللاهوتي المسيحي المدرسي. من هنا كان الإنسانيون مفكرين أحرارا مارسوا النقد واحتضنوا صبوات القلب، ورأوا في التواصل البشري شرطا لازدهار الإنسان. لقد كان هؤلاء المفكرون من الأوائل الذين جعلوا فكرهم دنيويا يعتني بالإنسان ويروم تحقيق سعادته بمعزل عن الوعود الأخروية للمعتقد المسيحي. تكمن محددات النزعة الإنسانية بالتالي - استنادا إلى التجربة الحضارية الأوروبية - في الدنيوة مقابل الديننة، وفي الانفتاح على الآخر المختلف والتواصل والتسامح معه، بمعزل عن مسبقات المواقف الدينية الدوغماتية التقليدية. هذا تحديدا ما جعل أركون ينتقد التقليد الاستشراقي الكلاسيكي الذي لم ينج من التحيز في النظر إلى التاريخ نظرة غير فاحصة وغير موضوعية عندما اعتبر النزعة الإنسانية خصيصة لصيقة بالحضارة الغربية المسيحية، نافيا أن يكون الإسلام قد عرف شيئا مماثلا، وهذا انطلاقا من موقف متحيز ثقافيا ومتخلف إبستيمولوجيا عن فتوحات العقل التاريخي النقدي المعاصر الذي قطع مع الإبستيمولوجيا الجوهرانية المتحدرة من منظومات الفكر الميتافيزيقي الكلاسيكي. ليس من جوهر المسيحية الوسيطة أن تحبل بالنزعة الإنسانية والتقدم، وليس من جوهر الإسلام الوسيط أن يكون معاديا أبديا لتلك النزعة أو للانفتاح والتسامح والفكر النقدي. هذا جوهر ما قاله أركون منذ قدم أطروحته الشهيرة عن " النزعة الإنسانية في الفكر العربي " نهاية الستينيات(2)، كاشفا عن وجود نزعة إنسانية رائعة في القرن الرابع الهجري ( ق 10م) مثلها جيل مسكويه والتوحيدي وعالم المناظرات التثقيفية الشيقة التي كانت تتناول كل شيء بالبحث والتساؤل، توقا إلى المعرفة الكاملة والوجود الكامل للحكيم. لقد كانت تلك الحقبة، التي لم تعمر طويلا، فترة انفتاح على كل التراثات المعروفة آنذاك، يونانية كانت أم شرقية، وكانت تمثل إسلاما متسامحا جدا مع كل إسهامات العقل البشري من أجل بلوغ الكمال العقلي والروحي. نستطيع أن نضيف هنا إسهام ابن رشد المعتبر في النزعة الإنسانية العربية، بما هو فكر بلغ الأقاصي الممكنة في العصور الوسطى على صعيد تأسيس المعرفة عقليا والقول الضمني بأن " العقل البشري قادر على إنتاج الحقيقة باستقلالية كاملة "، وبأن هذا الأمر يجب أن يتم عن طريق " التضامن التاريخي ما بين مفكرين ينتمون إلى عصور وديانات مختلفة "(3). إن هذه المواقف المتقدمة التي ولدها الإسلام الوسيط، وفي الأندلس بخاصة، مثلت فعلا نزعة إنسانية مهدت - عن طريق انتقالها إلى أوروبا آنذاك - للميلاد التدريجي لمشروع الحداثة الضخم الذي رأى النور على أنقاض العالم الوسيط.
لكن ما الذي أعاق ميلاد الحداثة في العالم العربي – الإسلامي؟ ما الذي أحدث الانقطاعات الكبرى في مسار الحضارة العربية – الإسلامية وزج بها في زمن ثقافي راكد لم يسهم في بناء العالم الحديث؟ هذا ما أراد البروفيسور أركون - من خلال " سوسيوجيا الإخفاق "(4) - أن يجيب عنه في معرض رده على الأدبيات الاستشراقية التي كرست نظرة دونية للآخر انطلاقا من مخيال أنتجته المركزية الأوروبية منذ القرن الثامن عشر. إن ما جعل الحداثة - بوصفها قطيعة بين عالمين - غير إسلامية بحسب أركون لا يرجع إلى الإسلام ذاته بوصفه دينا وإنما إلى جملة الشروط المعقدة، التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي لم تشكل إطارا ملائما لاستمرار النزعة الإنسانية وتفتحها نحو المزيد من الجذرية والكونية. سيكون، بالتالي، من كبير الخطأ أن نعتقد أن من جوهر الإسلام أو" العقلية الشرقية " الركون إلى الفكر الغيبي والنزعة القدرية والنفور من العقل والعقلانية والروح النقدية. هذه نظرة عنصرية أنتجها الفكر الإثنوغرافي الغربي وهو يستكشف الآخر - خلال الحقبة الاستعمارية - مدججا بمسبقات مركزيته الغربية وعنجهيته التي ولدها عصر الأنوار. من هنا، نفهم محاولة أركون التاريخية النقدية في نقد المسبق الغربي الكبير الذي أطر النظرة إلى الآخر المسلم، وهذا من خلال تجاوزه للمنهجية الاستشراقية الكلاسيكية، وانفتاحه على المساءلة السوسيولوجية في دراسة الإسلام وتراثه، دراسة تقرأ الظواهر ضمن أطرها الاجتماعية وشروطها التاريخية المعقدة بمعزل عن المسبقات التي أنتجها الوعي الصدامي القائم على النظر إلى الثقافات المختلفة على أنها جواهر غير تاريخية أوكيانات تعلو على شروطها التي أنتجتها. إن اختفاء الفلسفة، بالتالي، من الساحة الثقافية الإسلامية وضمور فاعليات العقل لصالح ثقافة سكولاستيكية تكرارية مغلقة يجد مرتكزه الراسخ في التفكك التدريجي للعالم الإسلامي وعدم استقراره بسبب الحروب الصليبية والتهديدات الخارجية الأخرى، شرقا وغربا، وفي التراجع الملحوظ لدور العواصم الحضرية والبورجوازية التجارية التين كانتا الدعامة المادية للأنسنة والانفتاح والثقافة العالمة، ما جعل المنحى العام للفكر يستكين إلى الانكفاء على الذات المهددة بفعل الخطر الخارجي، وينغلق أكثر فأكثر داخل الإطار الفقهي الذي مثل - بمعنى ما - انسحابا من مغامرة استكشاف المعنى في الفضاء التاريخي. هذا يعني بحسب أركون أن النزعة الإنسانية التي نناضل من أجلها جميعا ليست، بحال، وليدة الشعارات وإنما هي نبت وضع إنساني معقد، يتيح اختراق الأسوار الثقافية والعرقية التي تنتصب أمام الروح وهي تنشد تحقيق ذاتها بكل حرية. إنها، بكل تأكيد، ظاهرة إنسانية حضارية لها شروطها المحبذة وليست خصيصة عرقية لصيقة بثقافة دون أخرى.
لا وجود لنزعة إنسانية، بالتالي، خارج إطار التواصل الإنساني الشامل والنضال المستمر من أجل تجاوز كل عوائق هذا الاتصال، وبخاصة الإيديولوجية منها، أي تلك المؤبدة في منظومات الفكر المذهبي الشمولي الذي يقوم على مضمرات تم إنتاجها أثناء بلورة أساطير العصور الذهبية والتدشينية والحكايات التأسيسية للكيانات المتنازعة على امتلاك الهيمنة الرمزية في الفضاء التاريخي. هذا ما يشكل - في حقيقة الأمر- مجال اختراقات العقل النقدي المعاصر الذي لا يكل في فتح أضابير المساءلة والتفكيك، من أجل تجاوز كل أشكال الانغلاق والتمييز بين البشر.
4- الخطاب الإسلامي المعاصر: ظاهرة سوسيولوجية لا معرفية
إن الخطاب الإسلامي المعاصر غارق كليا في مناخ الانتفاخ وتلفعه نزعة الأسطرة من طرفه إلى طرفه. إنه بكل بساطة خطاب لم يتح له أن يقطع المسافة الإبستيمولوجية النقدية الضرورية من أجل إدراك شروط انبثاقه بوصفه نتاجا لمخيال اجتماعي جبار واقع تحت صدمة التحديث غير المسيطر عليه، وتحت صدمة فشل انتقال المجتمعات العربية – الإسلامية إلى الحداثة التي تقطع- بصورة متوازنة – مع مشكلات الماضي والتخلف. إنه خطاب إيديولوجي بالمعنى التام، يكشف عن تحول الإسلام - شيئا فشيئا – إلى " ملاذ " كما يعبر البروفيسور أركون(5)، يعوض عن فشل الإيديولوجيات التي تم اعتمادها صيغا متوحشة للتحديث في مجتمعاتنا.
إن تنامي النزعات الأصولية عندنا، بالتالي، لا ينفك بحال عن المسار المعقد الذي جسد فشل الدولة الوطنية العربية في الانقذاف في مغامرة الدخول إلى العالم المعاصر، من دون إجراء المراجعات الضرورية والهادئة مع الماضي والمقدس وفضاء المتخيل الرمزي الذي يرافق عادة كل بنية سوسيولوجية لم تخترقها الحداثة. لقد تم اعتماد الوصفة الجاهزة لهذه الحداثة متصورة على أنها تحديث أخذ شكل التعنيف لمجتمعات ذات بنية قبلية بطريركية عتيقة؛ وأخذ شكل التدمير المنتظم لمناخها السيميائي ولأنظمة تصورها للعالم؛ وها هي قارة المقدس تنفجر في وجوهنا من جديد، في صورة اعتصام بحبل الهويات الضيقة، وفي صورة عودة طقسية للماضي المعاد إنتاجه أسطوريا في الفضاء السوسيو- تاريخي، بوصفه الطريق الوحيد الممكن للخلاص في متاهة اللحظة التاريخية الحالية.
إن ما تجدر الإشارة إليه هنا، هو تواطؤ الخطاب الإسلامي المعلن مع هذا الوضع العام، وتحوله إلى خطاب إيديولوجي تمويهي تمكن من اكتساح الساحة إعلاميا والتحول إلى قوة لإنتاج الحقيقة السوسيولوجية البعيدة عن كل حس نقدي لما يعتمل داخل مجتمعاتنا. إن هذا الخطاب يقفز على لحظته التاريخية المعقدة ليعيد إنتاج الوعي الإسلامي المغترب في أفق الخلاص. إنه خطاب الانسحاب من العالم بامتياز، تؤطره الثنائيات المانوية الأكثر تقليدية والأكثر تجذرا في الوعي القروسطي. إنه، بالتالي، خطاب محاكمة العالم وإدانته لا محاولة فهمه. من هنا، يعتبر المفكر الإسلامي المعاصر مبشرا لا مفكرا، بوصفه يمثل وعيا يهجم على العالم بالمسبقات اللاهوتية القديمة والجهاز المفاهيمي الذي كرسته الأدبيات الكلاسيكية المرتبطة بأنظمة الفكر الديني في أكثر أشكاله تقليدية. انطلاقا من ذلك، نقول إن هذا الخطاب لا يحتضن لحظته ولا يستطيع أن يسبر تعقيدها بمعزل عن الخطاطات الجاهزة من أجل إنتاج لحظة المعقولية الجديدة القادرة فعلا على ردم الهوة بين الوعي والشروط الانفجارية للواقع المتحول والمتغير دوما. إنه، بكلمة، لا يمثل فتحا إبستيمولوجيا يستطيع أن يؤسس لقراءة تفتح أفقا جديدا من أجل إعادة ترتيب علاقة الإنسان المسلم بالعالم المعاصر وبتراثه الخاص؛ إذ يحتاج هذا الأمر- كما هو معروف وكما تبين تجربة الحداثة الأوروبية مثلا – إلى ثورات معرفية وفلسفية وسوسيو- سياسية لم يشهدها العالم الإسلامي ولا الفكر الإسلامي منذ قرون، أي منذ انقطع هذا الفكر عن تراثه المبدع وأصبح يعاني من تصلب شرايين العقل الذي غرق في آلية الشروح والهوامش لأسباب تاريخية موضوعية، كان أركون من أبرز من كشف عنها.
هذا الاغتراب المزدوج، عن العالم المعاصر من جهة وعن التراث الكلاسيكي المبدع من جهة أخرى، يجعلنا نرى في الخطاب الإسلامي الراهن ظاهرة سوسيولوجية وبسيكولوجية لا ظاهرة معرفية. إنه " خطاب جماعي اجتماعي " كما يعبر أركون(6)، لا يعي شروطه الخاصة لأنه لا يمارس عودة نقدية على مسلماته، ولا ينفتح على احتجاجات الحداثة وقطائعها المعرفية والسياسية التي قدر لها – منذ عصر الأنوار تحديدا – أن تبلور رؤية جديدة للعالم على أنقاض الصروح اللاهوتية – الميتافيزيقية الكلاسيكية، مدشنة بذلك عهد استقلال الذات وتحرر العقل النقدي من سلطة المرجعيات المتعالية، وهو ما تمت ترجمته سياسيا في انبثاق المواطنة الحديثة بوصفها صيغة للوجود الحر للفرد/المواطن في كيان سياسي قائم على التعاقد الاجتماعي لا على فكرة " مدينة الله ". إن غياب هذه الأمور من ساحة الفكر الإسلامي المعاصر- باعتبارها تشكل اللامفكر فيه – يجعل من هذا الفكر خطابا بعيدا كليا عن النزعة الإنسانية الحديثة بما هي افتتاح لدائرة قيم جديدة احتلها الإنسان مكان المقدس المتعالي القديم. من هنا نزعة العنف المضمر في هذا الخطاب إزاء منجزات الحداثة على صعيد القيم والأفكار والحريات تحديدا لأنه يمثل، برأينا، اعتصاما بوضع تحتفظ فيه قوى المحافظة المتعاظمة سوسيولوجيا – بفعل الانتكاس والتفكك وفشل التحديث الإيجابي – بمواقعها التقليدية، وحقها في إدارة شؤون المجتمع بطريق الهيمنة الذكورية البطريركية على الفضاء الاجتماعي .
هذا على صعيد العلاقة بالحداثة، أما بالنسبة للعلاقة بالموروث فهي تستطيع أن تضيء كذلك العديد من الجوانب الإشكالية في فهم الخطاب الأصولي المعاصر. إنها علاقة أحادية الجانب، لا تحتضن التراث ولا تدرسه في تعقيده ولا تتحمل مسؤوليته فهما وتفكيكا، ولا تستطيع أن تقيم معه علاقة التجاوز الجدلي بوصفه نتاجا تاريخيا غير ملزم وقد استنفد نفسه بانتهاء لحظته. هنا نجد العقبة الكأداء التي تشرط الخطاب الإسلامي في شكله الراهن، وهي الغياب الكلي للحس التاريخي النقدي. إن هذا الخطاب عدا أنه لا يقرأ التراث قراءة نقدية تاريخية تحرره من الإسقاطات ونزعة الأسطرة والتقديس، فهو أيضا يتوقف عند المرجعية النصية وعند المدونات التشريعية والعقدية التي بلورها فقهاء ومتكلمو العصور الوسطى، يعتمدها مرجعا/معيارا بصورة ميكانيكية، معيدا بذلك تحيين مشكلات الماضي ضمن حلم إعادة إنتاج زمن مراقبة التاريخ. هذه، بكلمة، بنية قمعية اتخذت شكلا خطابيا. من هنا عدم إمكان إقامة المصالحة الفكرية والفلسفية بين هذا الخطاب والنزعة الإنسانية متمثلة على أنها الانبثاق التدريجي والصعب للفرد الحر المتمتع بكامل حقوقه الإنسانية في مجتمع ديناميكي لا مرجع له إلا ذاته وتجربته التاريخية.
أين أسئلة المواطنة في هذا الخطاب؟ أين أسئلة التنظيم السياسي الديمقراطي للمجتمع خارج إطار الوصاية التي مثلتها المصنفات المرجعية القروسطية التي تحدثت عن " السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية " أوتلك التي تحدثت عن " الآداب السلطانية "؟ أين أسئلة الحقوق والحريات الفردية والجماعية بوصفها من مكتسبات الروح البشرية، وهي تناضل دوما من أجل ازدهارها الذاتي خارج أنظمة القمع والرقابة والوصاية؟ ما مكانة حقوق المرأة في هذا الخطاب الذي مازال يراهن على دونيتها من غير أن يكلف نفسه الالتفات إلى جدية خطاب الحداثة الذي قال يوما على لسان سيمون دوبوفوار مثلا : " لا تولد الواحدة منا امرأة بل تصبح كذلك "؟ لماذا لا نعي أن المرأة المتهمة ليست إلا نتاجا لوضع تاريخي وإرث ثقافي كرسا تهميشها ودونيتها في الوسط الاجتماعي؟ أين الحرية الفكرية بمفهومها الشامل في الوسط الإسلامي؟ لماذا لا تحتل موقعا ضمن منظومات القيم والحقوق خارج ممارسات التبديع والتكفير كما نشاهد عبر كل أرجاء العالم الإسلامي؟ هذه الأسئلة وغيرها تتيح لنا أن نقيس الحجم الفعلي للمسافة العقلية / الإبستيمولوجية التي تفصل الخطاب الإسلامي المعاصر عن فتوحات العقل الحديث وعن مكتسبات الحداثة الحقوقية والسياسية. إنه – بكل أسف – خطاب متخلف ما زال أسير روح الرقابة والوصاية، ولذا فهو لا يستطيع أن يسهم في بناء النزعة الإنسانية الكونية المنشودة إلا إذا تخلص من أثقال الضغط الإيديولوجي للمرحلة، وانفتح على أسئلة الراهن التاريخي وفتوحات العقل المعاصر خارج الإطار المرجعي التبديعي.
5- الشروط العامة للنزعة الإنسانية الجديدة:
إن النزعة الإنسانية الكونية لا يمكن أن تصبح واقعا في هذه المرحلة العولمية إلا إذا أسهمت فيها كل الثقافات في إطار من الشراكة والتواصل الإنسانيين خارج محبس الانغلاق الذي أبدته التراثات المحلية كما تم إنتاجها بوصفها أنظمة ثقافية للاستبعاد المتبادل تقوم على ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة(7). هنا تكمن بعض مهام العقل العولمي المنبثق مؤخرا على ما يرى البروفيسور أركون. إنه عقل قادر " في آن معا على الإسهام في النقد البناء للحداثة، وعلى تفكيك الخطاب الإسلامي المعاصر من الداخل " كما يعبر(8). هذا يعني أن العقل المنبثق اليوم يمثل ذروة الفضول المعرفي الذي يستثمر مجمل الآليات الفكرية والنقدية المعروفة من أجل توسيع حدود العقلانية، ومن أجل زحزحة الوعي إلى فضاءات أرحب من المعقولية التي تتجاوز ما عرفته الحداثة الكلاسيكية المتورطة – تاريخيا - في النزعة الشمولية والتمركز؛ كما تتجاوز من جهة أخرى، بالطبع، طروحات الخطاب الإسلامي الغارق في التبجح الذاتي والماضوية، والبعيد كليا عن حركية المراجعات الشاملة التي مست كل أنظمة الفكر في هذه المرحلة العولمية.
يطرح البروفيسور أركون الرهان التالي: " إما أن نشهد تصلبا إيديولوجيا للعقل السياسي- الديني الذي يؤسس السياسة والأخلاق على لاهوت دوغمائي لم يتعرض أبدا لأي مناقشة نقدية أو مراجعة فكرية. وإما أن يساهم المسلمون بشكل فعال ودون تحفظ أو رقابة قمعية في التشكيل الجماعي لنزعة إنسانية كونية، تساهم فيها جميع تراثات الفكر وثقافات العالم. ينبغي أن تنخرط جميع هذه الثقافات في مواجهات تفاعلية مع بعضها بعضا من أجل ابتكار أو تدشين القيم الجديدة التي تشكل علامة على التقدم نحو ما أدعوه بالعقل الاستطلاعي المنبثق والمستقبلي"(9). تشكل هذه الدعوة طرحا لخيارات المستقبل التي بدأت معالمها في التشكل. إنها دعوة للعقل الإسلامي إلى إحداث المراجعات الضرورية من أجل أن يسهم في بناء النزعة الإنسانية المنشودة التي تحتضن الشرط البشري بمعزل عن الانغلاق الذي ميز كل التراثات التي رفعت مطلب الخصوصية اللاتاريخية لاهوتا سياسيا وأخلاقيا متشددا ومنافيا لازدهار الذات الإنسانية وتفتحها كما نلاحظ مثلا – بكل أسف - في السياقات الإسلامية. سوف تمثل هذه النزعة الإنسانية مسارا لا يتوقف عند مركزية ثقافية معينة كما كان في السابق، لأنها ستكون نتاجا لتفاعل حضاري وثقافي بين أرجاء العالم يتيح ابتكار القيم التي ستشكل وجه تاريخ قد يتمكن، أخيرا، من السيطرة على القوى العمياء التي تحكمت إلى الآن في مساره.
إن ما أتينا على ذكره آنفا يبين- بالطبع- الروح الدوغماتية التي تلفع الخطاب الإسلامي معرفيا بوصفه معطى ثقافيا؛ ويبين كذلك أزماته بوصفه معطى سوسيولوجيا، يمثل إسلاما منغلقا يستجيب لضغط المرحلة وخيباتها بالانكفاء على الذات والتمحور حول الهوية بوصفها ملاذا. نفهم هذا الأمر عندما ندرك أن هذا الخطاب مازال يمثل احتجاجا عاطفيا لا موقفا عقليا نقديا يستطيع مد الجسور إلى العالم بتجاوز مآزقه الخاصة؛ إذ عوضا عن ذلك، أي الروح النقدية المطلوبة، نجد هذا الخطاب غارقا في الروح الانتفاخية - التلفيقية التي تفضحها مضامينه ذاتها، وبخاصة في المستويات السياسية والقانونية - التشريعية. إنها مضامين تبين بجلاء معاداته الضمنية لحقوق الإنسان الأساسية وركونه إلى عقلية الوصاية والقمع.
هذا كله يبين أن الموقف العام من مسألية المعنى لم يتغير في العالم الإسلامي، كما يبين أن الحداثة المتوحشة التي اخترقت المجتمعات العربية – الإسلامية لم تحدث الخلخلة المنشودة في تغيير نظام إنتاج المعنى والدلالة في الفضاء السوسيو- تاريخي. هذه مشكلة الثقافات التي عاشت انقطاعات تاريخية ولم تكن الحداثة فيها اشتغالا ذاتيا على الذات يتيح لها أن تراجع مرجعياتها في العمل التاريخي. لقد بقي نظام المعنى في الثقافة المدعوة إسلامية اليوم نظاما تقليديا لم يخرج عن التأسيس الأنطولوجي الكلاسيكي للحقيقة بوصفها معطى نصيا متعاليا أو جوهرا ميتافيزيقيا مفارقا. من هنا ظلت هذه الثقافة، بنيويا، خارج عالم الأنسنة في مفهومها الحديث، لأنها لم تتأسس على تلك القطيعة الكبيرة التي دشنت عهد احتلال الذات مركز دائرة القيم والمبادرة التاريخية في السيطرة على العالم وإنتاج المعنى، نظير ما حدث في الثقافة الأوروبية الحديثة مثلا. إن هذا الأمر الأخير، كما نعرف، مثل تعلمن المعرفة - شيئا فشيئا - وانسلاخها من فضاء المقدس المتعالي ومن الأفق الرمزي الأسطوري الذي بدأ يتهاوى منذ القرن السابع عشر تحت معاول العقل الفلسفي فالعلمي/ الوضعي بعد ذلك. هذا يشير، بالتالي، إلى تلك الرهانات الفلسفية والسياسية والثقافية التي على العقل الإسلامي أن يضطلع بمجابهتها من أجل تجاوز معيقات حواره الإيجابي مع العالم اليوم؛ وأول هذه الرهانات تحرير مسألة المعنى من أسر الوعي الأسطوري والتفكير الجوهراني البعيدين كليا عن مكتسبات الحداثة الفكرية بوصفها انخراطا في استكشاف آفاق المعنى المتاحة ضمن حدود صخب التجربة التاريخية التي حلت محل السماوات القديمة الآفلة. هذه هي العلمنة في شكلها الثقافي/العقلي الذي كان في أساس النزعة الإنسانية منذ بواكيرها ونضالاتها من أجل اغتصاب فضاء الفعالية والخلق من اللوغوس القديم.
تكمن الدلالة العميقة لما أتينا على ذكره - مستأنسين بفكر البروفيسور أركون- في القول إن اللحظة الحالية على الصعيد الكوني قد تكون بصدد بلورة فكرة جديدة عن العالمية والكونية، تتجاوز كل صور التراث الذي رسخ هيمنة المركز الأقوى بوصفه مرجع القيم والحقيقة. إن هناك تفكيكا جاريا، اليوم، يروم خلخلة العلاقة التعسفية القديمة بين المعنى والقوة المركزية لبؤرة ثقافية أمبريالية، من أجل فتح فضاء للعمل الإنساني التضامني المشترك على درب فك الارتباط بين المعنى والقوة من جهة، وإنتاج لحظة قوة المعنى المنحاز إلى الإنساني في عمومه من جهة أخرى، وهذا بمعزل عن كل أشكال النبذ والاستبعاد التي سادت إلى اليوم. من هنا لا يمكن للمعنى إلا " أن يكون تعدديا وغير معصوم، أي قابلا للمراجعة والنقد باستمرار"(10).
هذا كله بدوره يفترض خلفية منهجية متعددة المداخل، تجيش المنظورات والمفاهيم وأكثر المواقف طليعية من أجل مجابهة ضخامة المشكلات المطروحة على العقل الإسلامي اليوم، بمعزل عن المواقف التقليدية التي جمدت النظرة إلى الإسلام وتراثه في كليشيهات معروفة. هذا يعني أن الإبستيمولوجيا الكلاسيكية - بكل جهازها التصوري والمفاهيمي - لم تعد على موعد مع فتوحات العقل المعاصر، ولم تعد ذات قدرة تفسيرية أو نقدية تتيح تحرير المعنى من أنظمة التصور الجاهزة لتراث غني ومعقد كالتراث الإسلامي، أو تتيح فهم الظاهرة الإسلامية بوصفها مسارا حضاريا معقدا أيضا. من هنا، ظل هاجس محمد أركون الخروج من محبس الإسلاميات الكلاسيكية (الاستشراق أو الاستعراب) التي ركنت إلى النصوص المسماة " تمثيلية " من أجل الحديث عن الإسلام وتراثه، واعتمدت المنهجية الفيلولوجية وسيلة لنقد النصوص. يعترف أركون بأهمية هذا المنحى وما قدمه، ولكنه يريد تجاوز مآزقه بالانفتاح على الواقع العربي - الإسلامي، وباعتماد المساءلة الأنتروبولوجية والتاريخية – النقدية والمقاربات التي توفرها علوم الإنسان والمجتمع في آخر تجلياتها واختراقاتها طليعية ضمن سعيه الدائم إلى ترسيخ مشروعية " الإسلاميات التطبيقية ". هذا ما سيحرر النظر إلى الإسلام من إكراهات الثقافة الرسمية العالمة ومن المخيال المصاحب – ضرورة - لكل نظر يعتمد خلفية مرجعية ثقافية لا تراجع مسبقاتها وتبقى، بذلك، ذات منحى إيديولوجي واضح.
إنه يريد - من جهة أولى - التحرر من مسبقات الدراسات الاستشراقية التقليدية وحدودها الإبستيمية والتاريخية كما راجت في الغرب منذ فترة التوسع الاستعماري؛ كما يريد بالطبع - من جهة ثانية - الخروج النهائي من مسبقات الوعي الإسلامي التقليدي الذي قام على نظام معرفي تمثل في جملة من المسلمات الضمنية ومن الإكراهات العقلية والمعرفية التي أبقته أسيرا للدائرة الدوغماتية المغلقة، وأسيرا لمفهوم واحدية الحقيقة الذي جسد آلية الفكر المذهبي في نبذ المختلف واستبعاده. هذه هي " استراتيجية الرفض "(11) التي راكمت اللامفكر فيه في ساحة الوعي الإسلامي منذ بواكيره. من هنا يجيش البروفيسور أركون المنظورات النقدية – التاريخية وآلة الحفر الأركيولوجي من أجل تجاوز ما تراكم من مشكلات وتمزقات في الفكر الإسلامي، وهذا بزحزحة التفكير فيها إلى فضاءات جديدة من المعقولية، ما يمكن من تعقلها بصورة علمية ونقدية، بعيدا عن المسبقات اللاهوتية والعقائدية الضيقة التي ظلت حصونا للمنظومات المذهبية المختلفة في سعيها إلى احتكار الحقيقة وفرضها في الفضاء السوسيو- سياسي.
هذا، بالتالي، هجوم متعدد الجبهات على القضايا التي يثيرها تناول كل المشكلات المتعلقة بالتراث الإسلامي فكرا وتاريخا، والمتعلقة بالحاضر الإسلامي الذي يشهد ظواهر انفجارية عديدة تطرح على العقل تحديات جمة من أجل مقاربتها على الوجه الصحيح. إن الظاهرة التي تلفت الانتباه، أولا، هي هيمنة الحقائق السوسيولوجية الشغالة كثيرا في العالم الإسلامي بفعل غياب الأطر الاجتماعية والثقافية والسياسية الملائمة للنظر الموضوعي الذي يتيح - وحده - التحرر من هيمنة اللامعقول والأسطرة والمخيال والأدلجة المتوحشة. إن الرؤى الخلاصية المهلوسة للعالم لا تنتعش إلا في ظل شروط محددة، تكون عادة ذات علاقة بأزمات بنيوية تعرفها المجتمعات أثناء فترات التفكك التي لا تمثل تحولات متزنة نحو التحديث الإيجابي، نظير ما نعرفه اليوم في عالمنا الإسلامي. إن أزمة كل شكل من أشكال الوعي التاريخية - إن لم يدخل في مرحلة مراجعة شاملة لمسبقاته من أجل احتضان لحظته - تجعله يعتقد أن نهايته الخاصة هي نهاية العالم. نلاحظ في عالمنا الإسلامي، ضمن نفس المنحى، هيمنة خطاب الخلاص الديني الذي لا يتأسس على إحداثيات العقل الحديث ولا يتبنى احتجاجات الحداثة في سعيها إلى تحرير المعنى من الانغلاق والمسبقات ونزعات التمركز العرقي. إنه خطاب لا ينخرط في النقاشات الدائرة، اليوم، من أجل فهم أعمق للظاهرة الدينية يتجاوز- كما يعبر أركون - حقبة " أنظمة الاستبعاد المتبادل " التي كرستها كل التراثات الدينية الكبرى في سعيها الحثيث إلى احتكار حقيقة الوحي والخلاص ضمن فترات الصراع التاريخي المعروف بين ضفتي المتوسط تحديدا. هذا ما يجعل الخطاب الإسلامي خطاب نهاية وانكماش وإدانة للعالم بوصفه " جاهلية " لا خطاب انفتاح ومراجعة في ضوء ما يعرف العالم من تغيرات عميقة، معرفيا وسياسيا وحضاريا. من هنا، يقترح البروفيسور أركون إدخال النموذج الإسلامي ضمن برنامج المساءلة الأنتروبولوجية الواسع، من أجل تجاوز الانغلاق المذهبي، ونحو فهم أعمق للمحددات الأنتروبولوجية للوجود الإنساني في إطار أنسنة الوجود التاريخي، خارج جميع المنظومات المذهبية المغلقة التي فضلت إرادة القوة على الهوس الأبدي بالحقيقة المتخلصة من إرادة الهيمنة.
إن مشروع الأنسنة يتطلب بحسب أركون - كما رأينا- الخروج من الانغلاق الطائفي/المذهبي، والانفتاح على آخر منجزات الحداثة الفكرية/العقلية في مجال المساءلة الجذرية لكل أنظمة المعنى التي سادت في تاريخ البشرية، تفكيكا ومراجعة. لا أنسنة - كما تعلم التجارب التاريخية شرقا وغربا - دون مد الجسور إلى الآخر وكسر كل أشكال الانغلاق والعصبيات والقوميات الضيقة. إن أنظمة المعنى التي سادت تاريخيا بين ضفتي المتوسط - كما هو معروف - كانت أنظمة لاهوتية " رسخت فيها الحقائق " الإلهية"، المعصومة والمقدسة "، ومن هنا يمكن أن نلاحظ أنها ظلت " تملأ الوظيفة الإيديولوجية نفسها التي يملأها جدار برلين "(12). هذا ما يبين أن الروح التي سادت ظلت تتحصن بالدوغماتية في شكلها الديني الذي يرسخ في وعي كل طائفة مؤمنة فكرة نجاتها الأبدية. من هنا رأينا كيف كانت أنظمة المعنى - وهذا منذ القرون الوسطى - ترفع قلاع الخصوصية الدينية والتفوق الأنطولوجي لوحي كل طائفة في وجه الطائفة الأخرى. لقد بلورت الأنظمة اللاهوتية تاريخيا، وضمن شروط إبستيمية وسياسية محددة، ما أناط بها وظائف إيديولوجية معروفة جعلتها تبرر الصراع من أجل الدفاع عن أحقيتها في امتلاك الوحي والعمل باسمه.
كان لانبلاج فجر الحداثة الكلاسيكية أن هدم العوالم القديمة، أي عوالم الحساسية الدينية والمناخ التقديسي الرمزي الذين هيمنا على أنظمة التصور والتفكير طوال العصور الوسطى، شرقا وغربا. فقد مثلت الحداثة استقلال العقل الفلسفي والعلمي عن اللاهوت، وجسدت انتصار الذاتية معرفيا والفردانية سوسيولوجيا، ما عجل بانهيار المرجعيات التقليدية التي كانت تؤطر العمل التاريخي للمجتمعات ذات البنية البطريركية. ورغم أن هذا الأمر شكل ثورة أخرجت المعنى من المرجعيات الدينية إلى المرجعيات العلمانية القائمة على العقل، إلا أن الحداثة الكلاسيكية كشفت بدورها- كما تبين التجارب التاريخية الفجائعية - عن استمرار البنية العميقة للاستبعاد والنبذ والإخضاع باسم الحقيقة متصورة على أنها مطابقة مع الواقع التاريخي الفعلي كما تفصح عنه النظرية الإيديولوجية. هذا يعني أن الحقيقة، في العمق، ظلت ذات مرجع نصي ولم تسكن عوالم البكارة بعد؛ فقد حل النص الإيديولوجي محل النص الديني، ولم تستطع العلمنة أن تخرج الحقيقة من نظام الفكر القائم على المرجعية المغلقة وإرادة الهيمنة واستبعاد المختلف. لقد مارست الحداثة - بوصفها عملا تاريخيا استند إلى متعاليات علمانية جديدة كالحتمية التاريخية والتقدم - عنفا إزاء الآخر المختلف واستعمارا، وظلت تغذي نزعة التمركز العرقي والاستعلاء عند الأمم الأوروبية. هذا ما دعا العقل التفكيكي إلى الكشف عن بنيات الهيمنة في جذور العقل الحديث، في محاولة للخروج من مأزق الشمولية وإرادة الهيمنة التي ميزت نظام الفكر الحديث، إلى آفاق المعنى الرحيبة التي يتيحها تفجر المعارف وانبثاق المعقولية الجديدة في هذه المرحلة العولمية. هذا هو العمل الجاري، اليوم، على مستوى إعادة النظر في أنظمة الحقيقة وتقويمها من أجل تجاوز انتكاس تجربة الأنسنة الماضية التي بقيت حبيسة المركز الأوروبي وثقافته المهيمنة. سيكون المدخل الأنتروبولوجي عاملا حاسما في اختراق سمك المسبقات الثقافية كلها أثناء رحلة اكتشاف البنيات والمحددات العميقة للوجود البشري والتي تجلت، تاريخيا، في أنساق ثقافية خلعت على نفسها بردة التقديس والتعالي والخصوصية اللاتاريخية. هذا ما يتطلب نقدا تفكيكيا يعجل بتهديم " جدار برلين الإيديولوجي " من أجل تواصل أعمق بين البشر يعلن نهاية لعبة التمركز والتفوق العرقي.
6 – العقل المُنبثق وعتق الحقيقة من المرجعيات المتعالية:
إن العقل المنبثق اليوم، لم يعد مفتونا بالإنشاءات المعمارية النظرية الكبرى على غرار ما عرف في الفلسفة الكلاسيكية مثلا؛ ولم يعد ينجذب إلى بناء المنظومات المعرفية المغلقة التي تسجن المعنى داخلها وتمنحه صفة التعالي على الواقع والتاريخ. إنه عقل إشكالي، تقوده فعالية الانفتاح على التاريخ ومعطيات الواقع المعقد إلى تدمير كل ما يجده في طريقه من سياجات دوغماتية تمارس طرحا استبداديا للحقيقة وهيمنة رمزية باسمها. من هنا، فهو عقل " يحترم تعقد الواقع ويتبناه " كما يعبر أركون(13). هذا ما يجعلنا ندرك مدى الاختلاف بين هذا الطرح ممثلا في هذه المقاربة النقدية الإشكالية، وبين معظم المواقف الفكرية العربية التي تناولت التراث العربي – الإسلامي من زاوية إيديولوجية ضيقة لا تحترم الواقع ولا تتبنى تعقيده لاعتقادها الضمني أنها تعلو عليه. لقد خرج الفكر العربي الإيديولوجي من قمقم المسبقات ماردا مارس حجبا للواقع وتمويها للحقيقة، جاعلا المعنى معطى نصيا في الأسفار التأسيسية. من هنا ظل فكرا ذا بنية دينية كما رأى، بحق، أدونيس. لكننا نستطيع، بالمقابل، أن نتحدث اليوم عن تجاوز هذا الفكر تاريخيا وإبستيمولوجيا إلى فضاءات أرحب من المساءلة التي تطال بنيات الوعي السائد، وتحاول اختراق أنظمة إنتاج المعنى في الفضاء التاريخي، مفككة العلاقات الخفية بين نظام المعرفة السائد والسلطة، وهو ما كشف عن زيف وعينا الحداثي/الثوري في الماضي القريب، والذي ظل يضمر إرادة الهيمنة والقوة من خلال قيامه على المرجعية المعصومة التي أخذت شكل القمع السياسي فيما كانت تعتقد أنها تؤسس لمملكة الحرية والخلاص التاريخي من الاستلاب.
تحطيم مركزية المعنى الإيديولوجي المسبق/ تلاشي اللوغوس الفلسفي الأمبريالي/ عتق الحقيقة من أنظمة الفكر السائد جميعها، دينية كانت أم إيديولوجية/دنيوية: هذا ما يمكن أن يكون علامة أولى على الفكر العربي الذي ظل ينشد حق المواطنة في مدينة الفكر العربي منذ عهود الصخب الإيديولوجي التي كادت تخنق احتجاجاته، وحتى امتلاكه حقوق الحضور التاريخية على ساحة الفكر بعد انهيار أنظمة الفكر الشمولي وانبثاق مشروعية المراجعة والنقد. لقد أصبح من حق الذات أن تولد بوصفها مرجعا كينونيا وطاقة سؤال، وأصبح من حق العالم أن يسبح في هيولى اللاتشكل، وأصبح من حق غمامة المعنى أن تخرج من مُعتقل المرجعيات وتلبسُ لازورد الأفق.
                                                   أ/ أحمد دلباني
-------------------
الهوامش
1- أنظر في ذلك: فرانسيس فوكوياما – نهاية التاريخ والإنسان الأخير – مركز الإنماء القومي- بيروت- 1993. ترجمة: د.فؤاد شاهين، د.جميل قاسم، رضا الشايبي.
2- راجع في ذلك ترجمة الأستاذ هاشم صالح الجميلة لأطروحة محمد أركون " نزعة الأنسنة في الفكر العربي "- دار الساقي – ط2- 2006.
3- يشير البروفيسور محمد أركون هنا إلى مؤلف ابن رشد الشهير " فصل المقال" الذي أراد فيه فيلسوف قرطبة أن يبرر مشروعية حضور العقل النقدي والتفلسف في الفضاء الإسلامي.
انظر :محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ترجمة هاشم صالح- مركز الإنماء القومي- (بيروت). والمركز الثقافي العربي (الدار البيضاء)- ط2- 1996. ص 130.
4- أراد البروفيسور أركون أن يدشن مقاربة جديدة لتاريخ الفكر الإسلامي، تتجاوز نماذج النظر التي كرسها الاستشراق الكلاسيكي القائم على مسبقات الوعي الغربي الاستعلائي والنظرة الجوهرانية غير التاريخية للأشياء. من هنا دراسته لتراجع الحضارة الإسلامية من منظور " سوسيولوجيا الإخفاق " التي تقوم على التحري السوسيو- تاريخي العلمي لانتكاسة الحضارة الإسلامية بالتركيز على الأطر الاجتماعية للمعرفة ومجمل الشروط الموضوعية لفشل تجربة الأنسنة العربية.
5- محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ص 115.
6- محمد أركون- تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ص 123.
7- لا أنسنة دون علمنة إيجابية ومنفتحة، خارج الأنظمة اللاهوتية حبيسة الدوغماتية. يرى البروفيسور أركون، بصدد التعليم الديني من منظور علماني حديث مثلا، أنه يجب: " إلغاء برامج التعليم السائدة وإلغاء الطريقة اللاتاريخية والعقائدية التبشيرية لتعليم الدين في المدارس العامة، وإحلال تاريخ الأديان والأنتروبولوجيا الدينية محله. ثم تدريس تاريخ الأنظمة التيولوجية بصفتها أنظمة ثقافية، وليس بصفتها أنظمة من الحقائق المطلقة التي تستبعد بعضها بعضا ".
راجع: محمد أركون – الفكر الإسلامي – ترجمة هاشم صالح – لافوميك/ المؤسسة الوطنية للكتاب – الجزائر 1993. ص 291.
8- محمد أركون- معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية- ترجمة هاشم صالح- دار الساقي. ط1- 2001. ص 29.
9- نفسه – ص 39.
10- نفسه – ص 38-39.
11- محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ص 150.
12- محمد أركون – القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني – ترجمة هاشم صالح – دار الطليعة – بيروت- ط1- 2001. ص 26.
13 - محمد أركون- الفكر الأصولي واستحالة التأصيل – ترجمة هاشم صالح. دار الساقي- ط2-2002. ص 15. 
حول مشروع البروفيسور الراحل محمد أركون: الفكر النقدي سبيلا إلى الأنسنة حول مشروع البروفيسور الراحل محمد أركون: الفكر النقدي سبيلا إلى الأنسنة مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 11:18:00 ص تصنيف: 5

هناك تعليق واحد

ساعد بولعواد يقول...

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

أنـا ابـن جـلا وطــلاع الثنايا متى أضـع العمامـة تعرفونـي
وإن مكـانـنـا مــــن حميري مكان الليث من وسط العريـن
وإنــي لا يـعــود إلـــى قرني غداة الـغـب إلا فـــي قـريــن
بـذي لبـدٍ يـصـد الـركـب عنه ولا تـؤتــى فـريـسـتـه لـحـيــن
عذرت البزل إذ هي خاطرتنـي فمـا بالـي وبــال إبـنـي لـبـون
ومـاذا يـدري الشـعـراء مـنـي وقـد جـاوزت رأس الأربعـيـن
أخـو خمسيـن مجتمعـاً أشـدي ونجـذنـي مـــداورة الـشــؤون
فـإن علالتـي وجــراء حـولـي لذو شقٍ على الضرع الظنون
سأحيى ما حييـت وإن ظهـري لمسـتـنـد إلـــى نـضــدٍ أمـيــن
كريم الخـال مـن سلفـي ريـاحٍ كنصل السيف وضـاح الجبيـن
فــإن قناتـنـا مـشــظ شـظـاهـا شـديـدً مـدهـا عـنــق الـقـريـن
متـى أحلـل إلــى قـطـن وزيــد وسلمى تكثر الأصـوات دونـي
وهـمـام مـتــى أحـلــل عـلـيـه يحـل الليـث فـي عيـصٍ أميـن
ألـــف الجانـبـيـن بـــه أســـودَ منـطـقـةً بـأصــلاب الـجـفــون
*كثيرا ما نسمع البيت الأول
وتتوارد الأبيات بأن قائلها هو الحجاج بن يوسف الثقفي في خطبته المشهورة يوم تولى إمارة العراق ...
لكن الحقيقه ان الأبيات لسحيم بن وثيل بن عمرو بن جوين بن أهيب بن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيدمناة بن تميم بن مر بن أد
أحد فرسان بني تميم وشعرائها المفلقين كان فارسا شجاعا وشاعرا مجيدا شريفاً في قومه ذائع الصيت بينهم شارك في يوم طخفه ويوم العين ويوم غول والكثير من الأيام غيرها وأدرك الإسلام وامتد به العمر وهو المعاقر في يوم صوءر مع غالب بن صعصعه مباهاة في الكرم والشرف
ويروى انه كان من أجمل الناس ومن الذين لا يدخلون مكة إلا متلثمين مخافة النساء على أنفسهم حاله كحال قمر نجد ( الزبرقان بن بدر ) ..
وسحيم شاعر بدوي مفلق وأشعاره تتحدث عن اهتمامات العربي في الجاهليه من حرب وخمر وفخر ...
ــــــــــــــــــــــــ


مناسبة القصيدة :ـ
قالها ردا على شاعرين صغيري سن من تميم هما الأبيرد والأخوص معتزاً بأبيه وعشيرته مباهيا بشجاعته وطيب أرومته وكان يومها قد تجاوز الأربعين ...
معاني المفردات :ـ
بن جلا :ـ بن رجل بارز ..
طلاع الثنايا :ـ صفة لأبيه فهو أب جلد يقهر الصعاب وهو أيضا نافذ بصير في الأمور ..
العمامة تلبس للحرب وتوضع في السلم ...

حميري :ـ هو حميري بن رياح بن يربوع رأس قبيلة من تميم ...
الغب :ـ الحرب وهي هنا مجازية والأصل في الغب ان تشرب الإبل يوماً ثم تترك يوما آخر ..
لبد :ـ هو الأسد ..
البزل :ـ الجمال المسنه ابن لبون ولد الناقة إن أتم الثانية وهو هنا يقصد الأبيرد والأخوص عندما أرادا مراده في الشعر ..
يدري :ـ يقصد ويريد وأدري بمعنى ختل ..
نجذني :ـ حنكني وعرفني الأشياء ..

العلالة :ـ حلب الناقة
الجراء :ـ الشديد ..
الضرع صغير السن ..
وفي هذا البيت تعريض وسخرية بالشاعرين اليافعين ..
النضد السرير ينضد عليه المتاع والثياب ..
مشظ شظاها :ـ مثل لامتناع وعزة جانبه أي من يمس قناتنا يناله الأذى ..

قطن وزيد وسلمى :ـ أسماء أناس من تميم ولعلهم قطن بن نهشل الذي من سلالته ضمرة بن ضمره ، وزيد بن عبدالله بن دارم الذي من سلالته لقيط بن زرارة .
اما سلمى فلا أعلم ماهو ..

همام لعله همام بن رياح بن يربوع ..