إعلان 728x90

دور المدرسة الرسميّة يتراجع في فرنسا؟


دور المدرسة الرسميّة يتراجع في فرنسا؟
  العدد: 89   التاريخ: 12/9/2011
بقلم: كريستيان لافال  Christian Laval
(مؤلّف كتاب: المدرسة الرأسمالية الجديدة La Nouvelle Ecole capitaliste )عن "لوموند ديبلوماتيك" Le Monde diplomatique(أيلول/ سبتمبر 2011)

ما إن انتُخِب نقولا ساركوزي رئيساً للجمهورية في شهر سبتمبر 2007 حتى سارع إلى الإعلان عن رغبته في "خفض عديد المدرّسين" في المدارس، وذلك في "رسالة موجهة إلى المربّين". وبالفعل حقّق الرئيس الفرنسي تلك الرغبة فوعد بإلغاء 16 ألف وظيفة مدرّس في العامين 2011 و2012، أي ما سيؤول بعد 5 أعوام إلى إلغاء 80 ألف وظيفة تدريس، في المدارس الابتدائية والثانوية. أحدث هذا الجرح البليغ في جسد التعليم ألماً وانتفاضةً في الهيئة التعليميّة، وكذلك في الهيئات التمثيليّة لأولياء التلاميذ، ومؤخراً في أوساط رؤساء البلديات ومخاتير القرى، بمن فيهم رؤساء البلديات المنتمون لحزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" (Union pour un mouvement populaire). كما أثار الإعلان عن إغلاق 1500 صف في المدارس الابتدائية، بداية العام الدراسي 2011، أثار استياءً عارماً في أوساط عامة الفرنسيّين، عبَّر عنها جان بيار ماسكليه Jean-Pierre Masclet، رئيس رؤساء بلديات شمال فرنسا، بقوله: "لقد بلغ السيل الزبى، لا يمكن لنا أن نسكت عن الاستمرار في إغلاق الوظائف التعليمية".
ومع ذلك، فإن التعليم الخاص الذي تأثر بنسبة أدنى بتقليص تلك الوظائف، بدأ يرفع صوته احتجاجاً. يرى إريك دو لابارّ Eric de la Barre الأمين العام للتعليم الكاثوليكي أن هذه السياسة "تُدخِل التعليم العام والتعليم الخاص في نفق مسدود العام 2011 وستُدخِله في حالة من الجمود التام العام 2012". في المجالس المحلية للتربية والتعليم الوطنية تعرَّض المفتشون في أكاديمية التعليم الفرنسية للهزء والسخرية من أعضاء المجالس، وتعرّضت البطاقة المدرسية لنقد لاذع من قِبَل المنتخَبين في مختلف الهيئات المعنيّة، وتعرّضت باحات المباني التربوية والتعليمية للاحتلال طيلة النهار وأحياناً لاحتلال ليليّ، وتحوّلت الاحتفالات إلى جمعيات عمومية، وعُلِّقت لافتات الاحتجاج والاستنكار على جدران المدارس، فكان ربيع العام 2011 ثورة مدرسية بكلّ معنى الكلمة في عموم أنحاء فرنسا.
عندما لا تعود النقابات وحدها هي التي تقول: "لا يمكن أن ننظر إلى تربية التلاميذ وتعليمهم من منظار المحاسبة المالية وحده"، بل ينتقل هذا القول ليصبح على ألسنة أهالي التلاميذ أيضاً، يصبح الأمر أكثر خطورةً على الحكومة. ليست المدرسة الابتدائية وحدها هي المتضرّرة، فعدد التلاميذ في الصف الأول التكميلي سيزداد على نحو ملحوظ في الكثير من المدارس التكميلية (أي المدارس الوسيطة بين المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية) بدءاً من العام الدراسي 2011. فمنذ شهر أيار/ مايو 2010 دَعَت مذكرة صادرة عن وزارة التربية وعُمِّمَت على جميع مدراء المدارس تدعوهم إلى تعيين "الموظفين الأكفاء"، وتحثّهم على حساب عدد الصفوف "الموفَّرة" إذا تمّ التمكّن من زيادة عدد الطلاب من 1 إلى 5 تلاميذ.
بعد إلغاء "المؤسّسات المتخصّصة بمساعدة الطلاب المحتاجين"، وإلغاء سنة تكوين معلمين متدرّبين جدد، وبعد إلغاء إدخال الأطفال دون سنّ الثالثة إلى المدرسة، بات العمل بهذه السياسة لا يُطاق أكثر فأكثر بالنسبة إلى موظفي القطاع التربوي والمستفيدين منه. في 21 حزيران/ يونيو الماضي أعلن ساركوزي تراجعه عن إغلاق الصفوف التي تدخل في منظومة التعداد السكّاني في المرحلة الابتدائية في العام 2012. يتصل هذا التراجع باقتراب الانتخابات الرئاسية، لكن تغيير الاتجاه على هذا النحو لا يكفي لمحو 5 سنوات من عمل ساركوزي المدرسي (...).
إن تجميد زيادة رواتب الموظفين طيلة 3 سنوات يُفضي إلى خفضٍ جديد لقوتهم الشرائية بين 5 % و 10%، ناهيك بمفاعيل زيادة نسبة إسهامهم في صندوق التقاعد. هذا الإفقار المتعمَّد ليس بجديد، لأنه بدأ بتدابير لا تستند إلى قياس الرواتب على ارتفاع الأسعار، والتي أقرّها جاك دولور مطلع الثمانينيّات. غير أن ذلك الإفقار بدأ يتفاقم في السنوات الأخيرة: فبحسب الدراسات التي قام بها ثلاثة من الاقتصاديّين المختصين، وهم: روبير غاري بوبو وابتسام بوزيدي وثريا جعيدان أن "قيمة وظيفة المدرّسين في المدارس الثانوية وأساتذة الجامعات انخفضت 20% بين العامين 1981 و2004.
يتّضح إذاً كيف خبا وهج مهنة التعليم الذي لم يعد ينفع في حجبه أيّ حملة دعائية انتخابية. إن أي شاب يتخرّج بديبلوم متخصّص تبدأ حياته المهنية براتب 1500 يورو وتنتهي بعد 30 أو 40 سنة براتب تقاعدي يقلّ عن  3000 يورو. وبعد أن يمرّ الأستاذ المحاضر بسنوات مديدة من الدراسة المتخصّصة، يبدأ براتب 1700 يورو ويأمل في الحصول على راتب تقاعدي 3500 يورو، أي الراتب الذي يبدأ به خرّيج أي معهد تجارة مرموق.
مهنة التعليم بحدّ ذاتها غدت عسيرة للغاية، معقدة ومنهكة ومجلبة للهمّ والغمّ. إن تدهور صورة مهنة التعليم يظهر بجلاء في مباريات توظيف المدرّسين، حيث بدأ عدد المرشحين لهذه المباريات يتدنّى منذ 10 سنوات في مجالات تدريس المواد العلمية، والّلغة الإنجليزية، والآداب. في العام 2011 كان عدد المرشحين لمباريات توظيف مدرّسي رياضيات مساوياً لعدد الوظائف الشاغرة المطلوب شغلها. كما أعلنت جوزيت تيوفيل، مديرة التوظيف في وزارة التربية والتعليم، أن حوالى 1000 وظيفة مدرّس في التعليم الثانوي بقيت شاغرة. ولملء الوظائف الشاغرة باتت وزارة التربية تعمد إلى توظيف مدرّسين تدفع لهم بحساب ساعات التدريس الشهرية وليس راتباً شهرياً، من دون أن يستفيدوا من الضمان الاجتماعي والصحي الذي يستفيد منه سواهم من الموظفين، ومن دون أن يتلقوا تكويناً مناسباً.
لم تفعل الإصلاحات الأخيرة أكثر من الإسراع في تحويل جذريّ للوظيفة التي تقوم بها المدرسة، ولأهدافها وأنماطها. غير أن ساركوزي اختار عامداً متعمّداً استخدام القوة في إتلاف شروط التعليم من أجل فرض أهدافه ومشاريعه(...).
بعد إطلاق مشروع "الجامعة/ الأعمال" الذي أوصى به الاتّحاد الأوروبي، جاء الآن دور التعليم الابتدائي والثانوي لكي يخضع لمعايير التشغيل والتوظيف، والجدوى الاقتصادية، والإتقان التام (راجع مقالة بيكو هيرت Nico Hirtt في "لوموند ديبلوماتيك" أكتوبر/ تشرين الأول 2010، وهي بعنوان: في أوروبا الكفاءة نقيض المعرفة" « En Europe, les compétences contre le savoir »). في منظور الإصلاحيّين الحاليّين، على كلّ شيء، حتى على التربية والتعليم (البيداغوجيا)، أن يتَّبع نظام عالم الاقتصاد، لأن المدرسة لا تفعل أكثر من إعادة إنتاج "الرأسمال الإنساني" و"الكفاءات الأساسية" اللازمة له والضرورية. هذا المنطق المعياري، الذي يُفترَض فيه أن يُعطي الأولوية للجدوى الاقتصادية قبل أيّ شيء آخر، يتبناه اليوم ويحمله تسلسل هرمي وسيط لموظفين كبار في الإدارات، يحتلّ أكثر فأكثر مكانة مركزية، ويُفترَض فيه أن يطبّق تطبيقاً صارماً كلّ الإصلاحات والإجراءات والتعليمات التي تأتي من الأعلى، من فوق. يبدو أن زمن التسلّط الأكثر سوءاً في مجال التعليم قد عاد من جديد. فعلى المعلّم أن يكون على شاكلة العسكري تماماً، أي مُطيعاً ورهن إشارة الحكومة المتمثلة بمفتش تربوي، أو مدير المدرسة، أو الناظر. في هذا الصدد، خطّ حزب "التجمع من أجل حركة شعبية" واضحٌ الوضوح كلَّه: فإرساء دعائم السلطة هو قبل كلّ شيء سلطة الموظفين الإداريّين الكبار على المعلمين. وقد أكّد ذلك جيرار لونغيه Gérard Longuet بلهجة عسكرية آمرة، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، وكان حينئذٍ يرأس كتلة أعضاء حزب "التجمع من أجل حركة شعبية" في مجلس الشيوخ: "لا بدّ من رجل أعمال أو ربّ عمل حازم صارم قادر على الدخول إلى داخل صفوف التعليم ويصفّي المعلّمين المناوئين لمشروع الإدارة الرسميّة.
المساواة لم تعد هدفاً وغايةً
هذه العقلية الانضباطية الجديدة تتجلّى بالتخلّي عن غاية المساواة وقد بات يُنظَر إلى المساواة بأنها غير منتِجة. على المدرسة أن تتخفّف من كلّ ما يُعيق إنتاجيتها، بدءاً بالتلاميذ المشاغبين، بإرسالهم إلى مدارس مخصّصة لـ"إعادة الاستيعاب المدرسي"، أسفرت التجارب الأولى فيها عن نتائج كارثية.
لم تعد المساواة غاية وهدفاً عند اليمين المشمئزّ قرفاً من المدرسة الموحّدة. وقد يبدو التخلّص في أسرع وقت ممكن من التلاميذ غير المتميّزين، عبر توجيههم نحو المدارس المهنيّة حلاً مُغرِياً. وإلغاء البطاقة المدرسية سيُتيح إنشاء مؤسّسات تربويّة مخصّصة للمتميّزين. أما المنح المدرسية فلم يعد وارداً توزيعها على التلاميذ تبعاً لحالة أسرهم المادية، بل يجب منحها فقط للتلاميذ الفقراء "الذين يستحقونها". ثمة خطوة إضافية تمّ إنجازها باتّهام أبناء العمال المهاجرين بأنهم يُخفِضون نتائج التعليم. لم يتوانَ وزير الداخلية كلود جيان Claude Guéantعن التصريح أمام ميكروفون إذاعة "أوروبا 1" (Europe 1) بقوله: "إن ثلثي الفشل المدرسي هو فشل أبناء المهاجرين"، مخالفاً بذلك النتائج التي وصلت إليها كلّ الدراسات الرصينة والأبحاث العلمية في هذا الموضوع. وأعقب تصريح الوزير هذا تصريح آخر للسيدة ماري رينييه Marie Reynie عميدة المفتشية التربوية في مدينة أورليان: "إذا حذفنا نتائج أبناء المهاجرين المدرسية، فسنجد أن نتائج مدارسنا ليست أدنى من نتائج المدارس الأوروبية ولا تختلف عنها".
من أجل وضع برنامج تقدّمي، لا بدّ من أن نُدرِك أولاً أننا دخلنا في عصر تعليمي جديد، هو عصر المدرسة الرأسمالية.
دور المدرسة الرسميّة يتراجع في فرنسا؟ دور المدرسة الرسميّة يتراجع في فرنسا؟ مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 9:43:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات