إعلان 728x90

الإتجار بالبشر .. إلى متى؟

الإتجار بالبشر .. إلى متى؟
  العدد: 90   التاريخ: 14/9/2011  

تعرّف المادة 3 من "بروتوكول الأمم المتّحدة لمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص"، وبخاصة النساء والأطفال، المكمّل لمعاهدة الأمم المتّحدة لمحاربة الجريمة المنظمة عبر الأوطان"، تعرّف الإتجار بالأشخاص على أنه تجنيد أو نقل أو تحويل أو إيواء أو استلام الأشخاص عن طريق التهديد أو استخدام القوّة أو أيّ نوع من أنواع الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استخدام القوة أو استغلال موقف ضعف أو إعطاء أو تلقي دفعات أو فوائد للحصول على موافقة شخص يتمتّع بالسيطرة على شخص آخر بهدف الاستغلال".
ويشير "تقرير الإتجار بالبشر" الصادر عن وزارة الخارجية الأميركيّة للعام 2010، والذي   يقدمه وزير الخارجية سنوياً إلى الكونغرس عملاً بقانون العام 2000 لحماية ضحايا المتاجرة بالبشر، وهو أول قانون أميركي فدرالي شامل لحماية ضحايا الإتجار بالبشر ومحاكمة المتاجرين بهم،  يشير إلى أن "لضحايا الاستعباد المعاصر وجوهاً عديدة. فالضحايا هم رجال ونساء وكبار وصغار، لكنهم جميعاً محرومون من الكرامة الإنسانية ومن الحريات الأساسية(...) وهم في كثير من الأحيان، يتعرضون للاعتداءات الجسدية والجنسية الرهيبة ويكون من الصعب عليهم تصوّر أنه قد يوجد مكان يلتجئون إليه".
كما يشير التقرير إلى أن عدد الأشخاص المتاجر بهم لغرض إرغامهم على العمل القسري يتجاوز عدد أولئك المتاجَر بهم لأغراض الاستغلال الجنسي التجاري. وفي غالبية الأحيان لا ترتبط الجريمة بالاحتيال على الضحايا الساذجين واختطافهم، بل ترتبط بقبول الأشخاص العمل طوعاً في تقديم خدمة ما، أو قيامهم طوعاً بمغادرة بلدهم، ثم إرغامهم بعد ذلك على العمل. وكثيراً ما يلجأ المتاجرون بالبشر إلى اغتصاب النساء، إذ يعتبرون اغتصاب المرأة سلاحاً يستخدمونه ضدّها لإرغامها على الاستمرار في تقديم خدماتها في الحقول أو في المصانع أو في بيت من بيوت الدعارة أو في أحد المنازل الخاصة أو في إحدى مناطق الحرب.
وأوضحت آنا هيدالغو رئيسة وحدة مكافحة الإتجار بالبشر في مكتب أميركا الوسطى والمكسيك التابع لمنظمة الهجرة العالمية، أن النساء يُستخدمن لأغراض عسكرية والعمل الشاق والخدمة والزواج، ويتمّ بيع الأطفال أيضاً لأغراض التبنّي، والشحاذة، وتأجير الرحم، وغيرها من الممارسات غير القانونية، ناهيك بالعبودية، واستئصال أعضاء الجسد.
ويقدّر عدد الأشخاص الذين تتمّ المتاجرة بهم عبر الحدود الدولية سنويّاً بـ800000 شخص، وذلك على الرغم من صعوبة حصر عدد ضحايا هذا الإتجار، مع وجود عدد أكبر ممّن تتمّ المتاجرة بهم ضمن حدود أوطانهم.
وقد اعتبرت منظمة التعاون الأمني في أوروبا هذه التجارة أكبر نشاط غير قانوني في العالم، محذّرةً من أن تجارة تهريب البشر عبر الحدود بين بلد وآخر أصبحت أولى الأنشطة التجارية غير القانونية في العالم بدلاً من الإتجار بالمخدرات، وأن تهريب البشر ينشط مع كلّ عام لأن المهربين يرون فيه عملية تقلّ مخاطرها عن مخاطر تهريب المخدرات.
الربح أساس هذه الآفة
أسهمت العولمة، وما رافقها من تشديد في سياسات الهجرة والسفر بين الدول، في نموّ ظاهرة الإتجار بالبشر، خصوصاً مع ازدياد حاجات النساء إلى السفر والعمل، ولاسيما منهنّ غير الماهرات والفقيرات. على هذا، أمست تجارة البشر في العصر الحديث أكبر تجارة غير شرعية في العالم(أكثر من 2.4 مليون شخص يتمّ استغلالهم حالياً كضحايا للإتجار بحسب تقديرات الأمم المتّحدة)، وقدّرت منظمة العمل الدولية((I.L.O أرباح استغلال النساء، والأطفال جنسياً بحوالى 28 مليار دولار سنوياً، فيما قدّرت أرباح العمالة الإجبارية بحوالى 32 مليار دولار سنوياً، وذلك في آخر تقرير لها عائد للعام 2009 والذي يحمل عنوان "ثمن الإكراه". وأكّدت المنظمة أن 98% من ضحايا الاستغلال التجاري الإجباري للجنس هم من النساء والفتيات، وأن ثمة حوالى 3 ملايين إنسان في العالم سنوياً للاتجار بهم، بينهم 1.2 مليون طفل، وينقل ما يتراوح بين 45 ألفاً و50 ألفاً من الضحايا إلى الولايات المتّحدة الأميركية سنوياً. ويذكر أن غالبية الضحايا من النساء، والأطفال يتعرضون للاختطاف، أو التأجير من أوطانهم، وينقلون عبر دول أخرى ليتمّ استغلالهم في "دول المقصد"، وينتهي المطاف بضحايا "تجارة البشر" بحسب تقارير وزارة الخارجيّة الأميركيّة حول الموضوع غالباً في دول أوروبا الغربية، والولايات المتّحدة، وإسرائيل، واليابان بجانب تركيا، وتايلاند. فيما تشكل كلّ من ألبانيا، بلغاريا، هنغاريا، إيطاليا، بولندا، تايلاند نقاط عبور. وينتهي مطاف الضحايا الأفارقة أيضاً في أوروبا الغربية، وفي غرب أفريقيا، ممّا يشير إلى وجود شبكة إتجار داخلية، إقليمية. كما تلعب آسيا دور "دول المنشأ" بجانب "دول المقصد" ويقول التقرير إن تايلاند، اليابان، الهند، تايوان، باكستان هي نقاط لشبكات تهريب داخلية، ويذكر أن ضحايا التهريب من آسيا ينتهي بهم المطاف في اليابان، إسرائيل، تركيا، وتايلاند، التي تعلب دور "دولة "المنشأ" و"المقصد" في آن معاً.
تفاقم الظاهرة استدعى العلاج السريع
أدّى تفاقم الظاهرة في العصر الحديث، وعلى الرغم من وجود شرعة حقوق الإنسان وسائر الاتفاقيات الدولية، إلى سنّ الولايات المتّحدة في العام 2000 قانون حماية ضحايا الإتجار بالبشر، واعتماد الأمم المتّحدة في العام ذاته بروتوكولاً حول منع وقمع أعمال الإتجار بالبشر ومعاقبة مرتكبي هذه الأعمال، وبخاصة تلك المرتكبة ضدّ النساء والأطفال، يُعرف باسم "بروتوكول بالرمو". بحيث ركّز هذا البروتوكول اهتمام المجتمع الدولي على مكافحة آفة الإتجار بالبشر، وعلى ضرورة أن تعمل الدول معاً من أجل مكافحته والتصدّي له. وللمرّة الأولى، كان هناك توافق دولي في الآراء وإجماع على أنه يتعيّن تجريم جميع أعمال الإتجار بالبشر، بما في ذلك الإتجار بالبشر لأغراض إرغامهم على العمل القسري واستعبادهم وإخضاعهم لممارسات شبيهة بالعبودية. ونصّ البروتوكول على أن الردود الحكومية ينبغي أن ترتكز على ثلاث دعائم هي: الوقاية من هذه الأعمال والملاحقة الجنائية لمرتكبيها وحماية ضحاياها.
وقد أحرزت الحكومات في جميع أنحاء العالم، على مدى عشر سنوات، تقدماً ملحوظا وملموساً في فهم بعض الحقائق الأساسية حول الإتجار بالبشر، منها أن أعمال الإتجار بالبشر يمكن أن تتمّ محلياً داخل حدود البلاد أو من دون الانتقال عبر حدودها، وقد تبدّى ذلك في أن عدد الضحايا الذين تمّ التعرف إليهم في جميع أنحاء العالم حالياً، وهو49105 ضحية، يشير إلى زيادة قدرها 59 % عمّا كان عليه الحال في تقرير العام 2008. كما أن محاكمة 4166 من المتاجرين بالبشر بنجاح في العام 2009، يشير إلى زيادة مقدارها 40 % عن العام 2008.
كما أكّدت أمانة "رابطة دول جنوب شرق آسيا (اسيان)" ضرورة تحسين النظام القانوني للجرائم الدولية والتعاون الإقليمي ورفع كفاءة تحقيقات مجرمي المتاجرة بالبشر ومحاكماتها. وأشارت الرابطة في تقرير صدر عنها في 24 آب/أغسطس الفائت إلى المستجدات التي تقوم بها لمكافحة الإتجار بالبشر والحدّ من الجرائم، ومن ذلك سعيها نحو تقديم نموذج للتعاون بين الدول الأعضاء، إضافة إلى الدول المجاورة للإقليم حرصاً على إعادة كرامة الإنسان.
وماذا بعد؟
لا يزال العديد من البلدان يتعلّم الطرق المثلى للردّ على الإتجار بالبشر. إذ لا تكفي ملاحقة المتاجرين بالبشر جنائياً إذا لم تهبّ الحكومات أيضاً إلى تقديم المساعدات لضحايا هذه الأعمال وإذا لم يتمّ السعي من أجل الحيلولة دون تعرض آخرين لمثل هذه الأعمال.
وكانت تقارير سابقة وراهنة لوزارة الخارجية الأميركية قد كشفت انتشار الإتجار بالبشر في عدد من الدول العربية والإسلاميّة. وهذه التقارير تصنّف الدول إلى ثلاث فئات وفقاً لجهودها في مكافحة الإتجار بالبشر، فدول الفئة الأولى تلتزم بأدنى المعايير المنصوص عليها في قانون حماية ضحايا الإتجار بالبشر لعام 2000 ، ودول الفئة الثانية لا تلتزم بأدنى المعايير، لكنها تبذل جهوداً حثيثة نحو الالتزام بأدنى المعايير. أما دول الفئة الثالثة فلا تلتزم حكوماتها بشكل كامل بالمعايير الدنيا المنصوص عليها في قانون حماية ضحايا الإتجار بالبشر، ولا تبذل الجهود الحثيثة نحو الالتزام بهذه المعايير، وهي بالتالي الأكثر تورطاً في هذه الظاهرة. وبحسب آخر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية صادر العام 2011، بلغ عدد هذه البلدان الأكثر تورطاً 24 بلدا(أي ضمن الفئة 3)، من بينها 9 بلدان عربيّة وإسلاميّة، هي: الجزائر،إيران، ليبيا،الكويت،السعودية، موريتانيا،السودان، لبنان،اليمن. في حين صُنفت إسرائيل في الفئة الثانية مع الباكستان، عمان، ألبانيا، هندوراس، رواندا، السنغال، سيريلانكا، فيما صُنّفت والولايات المتّحدة في الفئة الأولى.
السؤال الأوّل:
إذا كان المتاجرون بغالبيتهم من أصول آسيوية، ومن ثم أوروبية، وذلك بحسب تقارير سابقة (60 في المائة منهم من شرق أوروبا، و40 في المائة من غربها)، فهل ينبغي نسيان أنه ينقل ما يتراوح بين 45 ألفاً و50 ألفاً من الضحايا إلى الولايات المتّحدة الأميركية نفسها سنوياً؟ وهل يكفي اعتماد مقاييس على أساس الجهود المبذولة لمكافحة هذه الظاهرة والتي تجعل الولايات المتّحدة في الفئة الأولى وإسرائيل في الفئة 2، فيما هما قد يندرجان في الفئة الثالثة لو تمّ قياس الأمر بحسب حجم البلدين في استقطاب الأشخاص المُتاجَر بهم بوصفهما-أي هذين البلدين- من أكبر دول المقصد؟
السؤال الثاني:

السؤال الثاني يستند إلى تقارير وأخبار موثقة.إذ يشير تقرير صادر عن "المجلس الأوروبي" في شهر ديسمبر/كانون أول 2010 إلى وجود معسكرات اعتقال على الحدود بين ألبانيا وكوسوفو، قتل فيها بعض السجناء المدنيّين، وبيعت بعض أعضائهم في السوق السوداء.
وفي مناسبة مرور ثلاثة أعوام على تشكيل الّلجنة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، طالب سياسيّون وحقوقيّون خلال المؤتمر الصحافي الذي أقيم في 28 آب/أغسطس الفائت، في المركز الإعلامي الحكومي في رام الله، الأمم المتّحدة بتشكيل لجنة تقصّي حقائق للتحقيق في قيام إسرائيل بسرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين المدفونين في مقابر الأرقام، وتقديم المتورطين للمحاكم الدولية.
وتمّ الكشف عن عصابات إسرائيلية للتجارة بالأعضاء البشرية، فيما أظهرت التقارير الدولية أن إسرائيل هي مركز تجارة عالمي في التجارة بالأعضاء البشرية، ويتمّ ذلك في ظلّ غطاء سياسي لانتزاع اعضاء الشهداء الفلسطينيّين...
وكانت وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي حول الإتجار بالبشر لعام 2010 قد ذكرت أن "نساء وفتيات عراقيات، بعضهن دون سن الحادية عشرة، يخضعن لحالات الإتجار بالبشر كالعمل القسري والاستغلال الجنسي في داخل البلاد وفي سوريا ولبنان والأردن والكويت والإمارات العربية المتّحدة وتركيا وإيران وربما اليمن. وفي بعض الحالات، جرى إغراء النساء من خلال الوعود الكاذبة بمنحهنّ فرص عمل...".
هذه العيّنة من الأخبار تؤكّد ارتباط بدايات هذه الظواهر بالتسعينيّات، أي بعد انهيار جدار برلين وبعد غزو الكويت في 1990 وفرض الحصار الاقتصادي على العراق، ناهيك، وفي ما يتعلّق بالعراق تحديداً، بتوسّع عيّنات الإتجار بالبشر أكثر فأكثر بعد احتلاله العام 2003 وتهافت الأمن والاستقرار فيه واندلاع العنف الطائفي والمذهبي والتهجير القسري..إلخ. وبالتالي نصوغ السؤال الثاني على الشكل التالي: ماذا لو عملت الولايات المتّحدة على الحدّ من مساعيها في إعادة هندسة العالم وإثارة الحروب بين الدول والبشر وفقاً لمصالحها، ومصالح حليفتها إسرائيل، ألا تكون بذلك قد أدّت أنجع علاج لظاهرة الإتجار بالبشر وأسرعه؟.
الإتجار بالبشر .. إلى متى؟ الإتجار بالبشر .. إلى متى؟ مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 11:30:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات