إعلان 728x90

تحويلات المهاجرين: متى تصبح ثروة وطنيّة حقيقيّة؟


تحويلات المهاجرين: متى تصبح ثروة وطنيّة حقيقيّة؟
  العدد: 88   التاريخ: 9/9/2011

المقصود بتحويلات المهاجرين، تلك المدخرات التي يحوّلها العمال المهاجرون من دول المهجر (أو دول الاستقبال) إلى دول الهجرة (أو دول الإرسال) بصورة نقديّة أو عينيّة. وقد تكون هذه المدخرات بالعملة المحلّية لدول الهجرة أو بالعملات الأجنبية، كما أن تحويلها قد يتمّ من خلال قنوات التحويل الرسمية وغير الرسمية.
أما فوائد التحويلات على دول الهجرة فهي متنوّعة، سواء بالنسبة إلى الأسر متوسطة الدخل والفقيرة التي تعدّ التحويلات دخلاً مهمّاً بالنسبة إليها، أم على مستوى الناتج الإجمالي المحلي لدولة الهجرة والاستثمار فيها، والدور الذي تلعبه هذه التحويلات في ضبط  اختناق الصرف الأجنبي وفي تحسين موقف حسابها الجاري... حتى أن ميزان المدفوعات لعدد كبير من دول الهجرة أصبح يعتمد بصفة أساسية على تدفقات التحويلات، بحيث يصعب تصوّر موقف حسابها الجاري من دون تحويلات المهاجرين ، كما هو الحال بالنسبة إلى عدد من الدول المصدّرة للعمالة في المنطقة العربية.
وقد أظهر تقرير "حقائق عن الهجرة والتحويلات في 2008" صادر عن البنك الدولي في أواخر شهر مارس/ آذار 2008، أن قيمة التحويلات المالية الشرعية والخاضعة للمراقبة من المهاجرين إلى بلدانهم النامية بلغت 240 مليار دولار خلال العام 2007، فيما لم يتعدَّ حجمها عالمياً318 ملياراً. كما أظهر التقرير أن الهند تحتلّ المرتبة الأولى من بين البلدان المتلقيَّة تحويلات المهاجرين (بقيمة بلغت 27 مليار دولار)، تليها الصين (25,7 مليار دولار)، ثم المكسيك (25 ملياراً)، ثم الفيليبين (17 ملياراً). وأظهرت الأرقام أن الولايات المتّحدة تأتي في طليعة البلدان المصدِّرة للتحويلات، حيث بلغت تدفقات التحويلات الخارجة المسجلة 42 مليار دولار العام 2006، تليها السعودية، ثم سويسرا، ثم ألمانيا.
على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، احتلّت مصر المركز الأول من حيث حجم تحويلات المهاجرين (5,9 مليار دولار)، تليها المغرب (5,7 مليار دولار)، ثم لبنان (5,5 مليار دولار)، فالأردن (2,9 مليار دولار). وباتت التحويلات التي يرسلها المهاجرون إلى أوطانهم اليوم، وبحسب ما أشار تقريرٌ للبنك الدولي حول "الهجرة والتنمية" صادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، تشكّل ثلاثة أمثال حجم المساعدات الإنمائية الرسمية، وشريان حياةٍ للفقراء.
أشار "المؤتمر العربي للسكان والتنمية" الذي عقد في الدوحة بتاريخ 19 /5 /2009، إلى أن عدد المهاجرين العرب نحو الخارج يقدّر ما بين 12 و20 مليون مهاجر موزعين بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يشكّلون حوالى 45 %، ودول "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية"(نحو 42 %) وأميركا وأستراليا (نحو13%). كما نوّه بإسهام تحويلات المهاجرين في خفض أعداد الفقراء بنسبة 20 % تقريباً في المغرب، وفي خفض البطالة بنسبة 30 % عربياً، ناهيك بإسهامها في تحسين الأوضاع الصحيّة والتعليميّة وفي خفض العجز في الميزان التجاري. وخلال إطلاق "المنظمة الدولية للهجرة" بالتعاون مع "منظمة العمل العربية" التقرير الأول عن حراك العمالة العربية والأهمية الاجتماعية والاقتصادية لتحويلات العاملين في الخارج، في نيسان /أبريل العام 2010 ، أشار المسؤول التنفيذي للأبحاث في "المنظمة الدولية للهجرة" في القاهرة أيك زاكاريان إلى وجود حوالى 13 مليون مهاجر عربي منهم 8.500.000 موجودون في العالم العربي، وأنه في العام 2009 تلقّت الدول العربيّة 35 مليار دولار من التحويلات المالية من الخارج ، فيما قدّرت التحويلات من الدول العربية إلى الخارج بـ31  مليار دولار. ومن المتوقّع بحسب مصادر البنك الدولي(web.worldbank.org)، زيادة تدفقات التحويلات بواقع 6.2 % لتصل إلى 364 مليار دولار خلال العام 2011، وبنسبة 8.1 % في العام 2012 لتصل إلى 374 مليار دولار.
نموّ التحويلات العربية
أسهم نموّ حركة الهجرة في العالم إذاً، في الارتفاع المطرد لتحويلات المهاجرين خلال السنوات، إذ ارتفعت التحويلات العربية من 11 بليون في العام 1990 إلى 21.6 مليار العام 2004، بحسب أوراق المؤتمر الذي سبقت الإشارة إليه، فيما  بلغت التحويلات بحسب مصادر البنك الدولي  2 % من إجمالي الناتج المحلي لجميع البلدان النامية في العام 2008، و6 % من إجمالي الناتج المحلي للبلدان المنخفضة الدخل. وفي العديد من البلدان الصغيرة المنخفضة الدخل، تجاوزت التحويلات 20% من إجمالي الناتج المحلي، وهي تمثّل المصدر الأكبر للعملة الأجنبية(web.worldbank.org).فأسهمت تحويلات المهاجرين المغاربة في الخارج، على سبيل المثال لا الحصر، في مواجهة العجز الذي عرفه الميزان التجاري المغربي في بين عاميّ 2000 و2006 بسبب هيمنة كفّة الواردات على الصادرات بشكل كبير، فغطّت عائدات المهاجرين العجز الذي لم تستطع الصادرات جلبه من العملة الصعبة.
 في حين أن الحصيلة المالية والبنكية خلال النصف الأول من العام 2009 عرفت في تونس، التي يوجد لديها أكثر من مليون تونسي مقيمين في الخارج ، زيادة بنسبة 9 % في الناتج البنكي الصافي، فيما ارتفع رصيد تحويلات المهاجرين في الفترة نفسها بحدود 8 % مقارنةً بالسداسية الأولى من العام 2008.
وبلغت التحويلات الناتجة عن هجرة العمل الّلبنانيّة المقدّرة بـ 660 ألفاً في متوسّط السنوات القليلة الماضية حوالى 7 مليارات دولار سنويّاً، وهي تشكّل20%من الناتج المحلّي، وتسهم في توازن ميزان المدفوعات الجارية، بخفضها من العجز التجاري ومن الحاجة إلى استيراد الرساميل بكلفة مرتفعة(مجلة المغترب، العدد 21، 30 /6 /2011).
تجدر الإشارة إلى أن هذه التحويلات مرشّحة لمزيد من النموّ لأسباب عدّة منها، وبحسب مصادر البنك الدولي نفسها، وجود أكثر من 215 مليون نسمة اليوم يعيشون خارج بلدان مولدهم، وهجرة ما يزيد على 700 مليون نسمة داخل بلدانهم، فضلاً عن توقّع أن يؤدّي كلّ من تزايد القوى الديموغرافية والعولمة وتغيّر المناخ في العقود القادمة إلى كثافة ضغوط الهجرة سواء كانت داخلية أم عبر الحدود. والملاحظ أن تراجع التحويلات من 325 مليار دولار أمريكي في 2008 إلى 307 مليارات دولار في 2009 بسبب الأزمة المالية العالمية، لم يحل دون عودتها إلى 325 مليار دولار في العام 2010.
في حين أن التوقعات بتنامي قوة العمل العربية (15 إلى 39 سنة فقط) بـ 44 مليون خلال الفترة الحالية، والحاجة إلى خلق 5 ملايين وظيفة سنوياً حتى 2020، في مقابل  فقدان دول أوروبا 66 مليون عامل حتى العام 2050 (ما يوازي فقدان ثلث قوة عملها)، وحاجتها إلى عمالة مهاجرة تقدَّر بحوالى 10 ملايين سنوياً، تشير هذه التوقعات إذن، إلى النشاط المتزايد لحركة الهجرة في ظلّ العولمة الراهنة، بقدر ما تشير إلى الأهمية التي تحتلّها تدفقات التحويلات في اقتصادات الدول المصدّرة للهجرة والعمالة. لذا اجتذبت الهجرة بصورة متزايدة واضعي السياسات، ورافق ذلك محاولات إرساء إدارة شاملة تنظّم حركات الهجرة بمبادرة من منظمات دولية وغير حكومية مدعومة من الأمم المتحدة منذ العام 2006، ليس بسبب النموّ الذي طرأ على تدفقات التحويلات فحسب، بل بسبب المخاوف أيضاً المتعلقة بالهجرة في كلّ من البلدان المتقدمة والبلدان النامية.
لكن..ماذا بعد؟
ثمة ثلاث مشكلات تتعلق بالبلدان المصدّرة للعمالة، وخصوصاً البلدان العربيّة، منها أولاً أن نسبة كبيرة  من استثمارات المهاجرين تتمّ في قراهم وبلداتهم التي ولدوا فيها، أو قريباً من انتماءاتهم القبلية، وليس على المستوى الوطني، وذلك في موازاة الاختلالات التي تعتري تعامل الدولة مع مهاجريها، بثرواتهم البشرية والمادية، بحيث لو أحسنت هذه الدول القيام بذلك لضاعفت من قيمة استثماراتهم. من ذلك مثلاً، تقديرات الخبير الاقتصادي ورئيس جمعية "من أجل جمهورية جديدة" (نور) ماهر قلال الذي اعتبر أن قيمة الاستثمارات البالغة في تونس حالياً حوالى 37 ملياراً يمكن أن تبلغ أكثر من 300 مليار في الأعوام القادمة من خلال التفاعل مع أبناء تونس في المهجر ومع  أصحاب المشاريع الطموحة. فيما يتّجه قسم كبير من هذه التحويلات إلى الاستهلاك كما هو الحال مثلاً، في مصر التي ذكر تقرير صادر في العام 2010 عن "مكتب القاهرة لمنظمة الهجرة الدولية" بعنوان "دراسة حول تحويلات المهاجرين المصريّين وفرص استثمارها" أن80% من تحويلات المهاجرين المصريّين في الخارج وجّهت إلى الاستهلاك السلعي والخدمي، فيما لم يستحوذ الاستثمار إلا على 20% من الأموال المحوّلة إلى مصر.
وتتمثّل المشكلة الثانية في ارتفاع تكلفة التحويلات في معاملات التحويل بالقياس إلى مستويات الدخول المنخفضة غالباً للعمالة المهاجرة، والمبالغ المرسلة، ودخل متلقّي الحوالات. بحيث تتراوح خسارة عائلات المهاجرين بسبب العمولات ما بين 8 و20 %. هذا مع الإشارة إلى أن خفض أسعار تحويل الأموال قد يؤدّي إلى بقاء المزيد من هذه الأموال في حوزة المهاجرين وأسرهم، كما سيكون له أثر كبير ومهمّ على مستويات دخل الأسر المتلقية للحوالات. وقدّرت مصادر البنك الدولي قيمة الدخل الإضافي الناتج عن خفض تكلفة إرسال الحوالات بواقع 5 نقاط مئويّة بالنسبة إلى المبلغ المرسل إلى البلدان النامية بما يزيد على 16 مليار دولار أميركي عمّا يتسلّمه المتلقون حتى الآن كلّ عام. كما يمكن أن يمنح هذا الدخل الإضافي عندئذ متلقّي الحوالات فرصة أكبر للاستهلاك، والإدخار، والاستثمار في الاقتصادات المحلية(web.worldbank.org).
أما المشكلة الثالثة، والتي لاحظها الباحث الموهوب موحود في مقالته "تحويلات أموال المهاجرين، عامل اقتصادي بارز"(أوضاع العالم 2010 ، لاديكوفرت، ترجمة مؤسّسة الفكر العربي)، فتتمثّل في السياسات الانتقائيّة لدول الشمال المنحازة إلى أصحاب المؤهلات. بحيث تساعد دول الشمال هؤلاء المؤهّلين بتأمين شروط الاستقرار فيها، ما يحدّ من كمية الأموال التي يرسلونها إلى بلدهم الأصلي، ويؤثّر بالتالي على معدل النموّ، لأن الاستثمارات المباشرة ورؤوس الأموال القصيرة الأجل تهرّب من البلدان التي يكون مخزون رأس المال البشري منخفضاً فيها. الأمر الذي يبرّر الحلقة المفرغة القائمة: عدد أدنى من رأس المال البشري، فعدد أقلّ من الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة، فمعدّل أدنى من النموّ، وبالتالي عدد أكبر من المرشّحين للهجرة، ولاسيما أن ارتفاع مستوى مؤهلات المهاجرين بنسبة 10 % يتسبّب بحسب بعض التقديرات في انخفاض حجم التحويلات إلى بلدان المنشأ نسبةً إلى إجمالي الدخل المحلّي.
ولعلّ التغييرات الحاصلة على مستوى الهجرة في العالم، تجبر البلدان العربيّة المصدّرة للهجرة على تحسين مواقعها الاقتصادية. وقد برز ذلك، بالإدراك الرسمي العربي المتزايد لأهمية الهجرة وعلاقاتها الوثيقة بالتنمية، والذي تجلّى بعقد أول اجتماع وزاري عربي للوزراء والمختصّين في شؤون الهجرة والمغتربين في شباط/فبراير 2008 وإصدارهم توصية بتثمين "المشروع الإقليمي لتفعيل أدوار هجرة العمل والكفاءات العربية في التنمية والتكامل الإقليمي العربي". كما تجلّى هذا في اجتماعهم الثاني العام 2009 وفي إعلان القمة العربية في الكويت في كانون الثاني/يناير 2009، فضلاً عن المؤتمر العام للمغتربين العرب الذي عقد في مقرّ الجامعة العربية في القاهرة العام 2010، ناهيك بالمشاركة المتزايدة في أنشطة المحافل الدولية التي تناقش قضايا الهجرة...فهل يفضي ذلك كلّه إلى نتائج ملموسة أو أنه سيقصر دوره على الاجتماعات والتوصيات؟

تحويلات المهاجرين: متى تصبح ثروة وطنيّة حقيقيّة؟ تحويلات المهاجرين: متى تصبح ثروة وطنيّة حقيقيّة؟ مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 8:48:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات