إعلان 728x90

التعدّدية الثقافية في مهبّ السياسة..


التعدّدية الثقافية في مهبّ السياسة..
العدد: 87   التاريخ: 7/9/2011

التعدّدية الثقافية أو التنوّع الثقافي ويقابلهما باللاتينيةmulticulturalisme  و pluriculturalisme وdiversité culturelle موضوعة تُشير إلى تنوّع النسيج الاجتماعي، على الصعيد الثقافي، بالمعنى الأنتروبولوجي لكلمة ثقافة، بعدما اتَّسع نطاق الأبحاث الإناسية (الأنتروبولوجية) في هذا الميدان حتى بات يُعرَف باسم "أنتروبولوجيا الثقافة" أو النياسة الثقافية، إذ يشمل ذلك المعنى في المقام الأول عقليات البشر المختلفة وعاداتهم ومعتقداتهم وسلوكهم؛ فبعض المجتمعات يتألف من نسيج ثقافي واحد وبعضها من نسيج ثقافي متعدّد، سواء كانت الفوارق الثقافية بين الجماعات التي يتكوّن منها المجتمع ثانوية أم أساسية. على أن بعض المجتمعات أسهمت ظروفه التاريخية في الحفاظ على هيمنة نسيج ثقافي أحادي فيه، وبعضها قضت ظروف نشوئه التاريخية بأن يكون مجتمعات متعدّدة ثقافياً تكوّنت من جماعات ثقافية مختلفة كالولايات المتّحدة الأميركية على سبيل المثال.. وبين هذين النموذجين مجتمعات تتفاوت مستويات تعدّدها الثقافي الذي اعترفت به "الاتفاقية الدولية للتنوّع الثقافي"، وهو اسم الاتفاقية التي وضعتها منظمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة ("اليونسكو") العام 2005 برئاسة كويشيرو ماتسيرو، لحماية التنوّع الّلغوي والثقافي من الآثار السلبية للعولمة. غير أن إسرائيل والولايات المتّحدة فور إعلان اليونيسكو تلك الاتفاقية، شنّتا هجوماً حاداً عليها وامتنعتا عن الانضمام إليها.
على الرغم من أن ألاثنولوجيا (النياسة) هي علم أحوال الناس بوصفهم جماعات، فقد باتت جزءاً لا يتجزأ من علم الأنتروبولوجيا (الإناسة) أو علم الإنسان بوصفه كائناً ثقافياً يتحرك في التاريخ من خلال ثقافته. وقد نشأت الإناسة الثقافية بوصفها علماً يُعنى بتعدّد الثقافات وأثرها في حركة التاريخ (راجع: ميشال دوشيه، "تقاسم المعارف: الخطاب التاريخي والخطاب النياسي" Le partage des savoirs : Discours historique et discours ethnologique، ترجمة حسين جواد قبيسي). وعلى الرغم من أن الإثنولوجيا أو علم النياسة علم قديم يعود إلى زمن اكتشاف مجتمعات "قديمة" في العالم "الجديد" (القارة الأميركية) والقديم (القارة الأفريقية) فهو علم جديد في الجامعات العربية، اقترن تدريسه بنفور المثقفين العرب منه؛ فقد رأوا فيه علماً "استعمارياً". لكن تلك النظرة لم تكن صواباً كلها ولا خطأً كلها، فدراسة أحوال تلك الشعوب وثقافاتها كانت وما تزال تتنازعها غايتان: فالغاية العلمية الساعية إلى المعرفة المحض رافقتها غاية سياسية لدى الدول الأوروبية المعنيّة بالمجتمعات والشعوب "القديمة" الجديدة، هي العثور على ما يسوّغ إخضاعها والسيطرة عليها، فكانت تُرسِل بعثاتها الاستكشافية ثم التبشيرية والعسكرية (المغامر والكاهن والجندي) من أجل احتلالها واستعمارها ونهبها.
التعدّدية الثقافية مفهوم حديث في العلوم الإنسانية، يتنازعه مجالان:الأنتروبولوجيا السياسية والأنتروبولوجيا الثقافية، وهو ذو معانٍ متعدّدة، فقد يعني مجرّد تجاور ثقافات في مكان واحد (بلد، أو مدينة، أو مجتمع ما..) وقد يعني سياسة بلد ذي ثقافة معيّنة تجاه أبناء الثقافات المغايرة، الذين يعيشون على أرضه؛ وهي جميعاً معانٍ سياسية في المقام الأول، تختلف في ما بينها بحسب البلد الذي يستخدمها.
ارتبط مفهوم التعدّد الثقافي في الغرب بمفهوم المواطنة، وبعض المشتغلين بمشكلات المجتمعات المتعدّدة ثقافياً يرون أن الآلية القانونية/ الحقوقية كفيلة بإزالة الفوارق بين الجماعات الثقافية المختلفة داخل الوطن الواحد، بجعل الثقافة مجالاً للممارسة الفردية الخاصة والمواطنة مجالاً للممارسة العامة حين يصبح الجميع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
في الإسلام ارتبط مفهوم التعدّد الثقافي بالأمة التي هي في الأصل خليط من "قبائل وشعوب" و"لا فضل فيهم لأحد على أحد إلا بالتقوى"، غير أن مفهوم المواطنة الغربي غلب في دساتير دول المسلمين وأوطانهم في العصر الحديث، حيث قامت الدولة القومية على مقوّمات الهوية القومية على نحو ما انتهت إليه أبحاث ودراسات عدد كبير من المفكرين والسياسيّين الغربيّين تكوّنت بفضلهم الدولة/ الأمة أي القومية الفرنسية والإيطالية والألمانية والأميركية إلخ.. وضمّ كلٌّ منها خليطاً من الشعوب والأقليات، وصولاً إلى اتحادات الدول بقومياتها المختلفة في فيديراليات ذات أشكال ودساتير مختلفة. ولعلّ التناقض الأبرز في الكيانات السياسية الكبرى (الاتحادية) التي تضمّ أكثر من دولة واحدة وقومية واحدة، كالاتحاد الأوروبي، مثلاً، هو بين التعدّدية والأحادية، بين صوْن التنوّع في إطار الوحدة، وبين تنميطه على نمط واحد، أي فرض ثقافة مهيمنة فيه، وتلك معضلة يسعى المفكرون الأوروبيون إلى التصدّي لها، لدراسة طبيعة هوية الاتّحاد الأوروبي.
نجاح التعدّد الثقافي أو تعايش الثقافات في مجتمع واحد مسألة في منتهى الأهمية والخطورة معاً؛ فالقول بفشلها داخل البلد الواحد يُفضي إلى الإقرار بفشلها في المجتمع الدولي، ثم يصبح مسوّغاً لاعتبار استمرار الصراعات والحروب بين الأمم والشعوب مسألة "طبيعية" أو "قضاء وقدراً" ! فالجدال العقيم حول قبول تركيا في الاتّحاد الأوروبي، مثلاً، دليلٌ على مدى أهمية الدور الذي يلعبه التعدّد الثقافي على الصعيد الدولي، ومحكٌّ عملي لتبيّن صدقية المواقف والقرارات في السياسية الدولية. وعلى حُسن السياسة التي تدير شؤون التعدّدية الثقافية ونجاحها في التعامل معها، يتوقف مصير السلم الأهلي داخل المجتمع الواحد، ومصير السلام بين أمم العالم؛ فهي المقطع المفصلي الذي يتلاقى عنده حوار الثقافات (الحضارات) أو صراعها، وسياسات الحدّ الفاصل بين السلام العالمي والحروب العالمية. كما تلعب السياسة التي تدير التعدّد الثقافي دوراً حاسماً في تشكيل الهويات الجماعية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، حيث إنها تجعل تلك الهويات طاردةً للثقافات الأخرى (أي ذات مركزية ثقافية، كـ"دولة اليهود" مثلاً أو "جمهورية البيض"..إلخ) أو متعايشة معها بوئام وسلام. على أن المجتمعات ذات الأحادية الثقافية الخالصة تندُرُ أكثر فأكثر مع تسارع وتيرة الهجرة والاختلاط بين الشعوب.
اتّخذت التعدّدية الثقافية في فرنسا منحىً جديداً بعد الاقتراح الذي طرحه مؤخراً الرئيس الفرنسي ساركوزي بشأن إنشاء "وزارة للهوية"، تُعنى بصَوْن الثقافة الفرنسية والحرص على أن تكون عماداً للهوية الفرنسية، وبعدما حمَّلَت رشيدة داتي التي شغلت منصب وزارة العدل في عهد ساركوزي، اليسارَ في فرنسا مسؤولية فشل سياسة دمج الأجانب (من مسلمين وعرب بخاصة) في المجتمع الفرنسي. في هذا السياق تستَخدَم في فرنسا عبارة "الفرْنَسَة"، وفي ألمانيا "الجرمنة"، وفي بريطانيا "البَرْنَطَة"، بمعنى الحرص على أن يكون ولاء الجماعات الثقافية المختلفة للأمة البريطانية. أما الأوساط البريطانية المعادية للأحادية الثقافية والعنصرية، وبخاصة الأوساط التي وقفت في وجه الحرب على العراق التي شارك فيها الجيش البريطاني، فترى أن التمييز العنصري ينطوي على جانب ثقافي مهمّ كاحتقار الثقافة الأصلية للمهاجرين من جزر الأنتيل والهند وباكستان، وتدريس التاريخ من وجهة نظر أوروبية/ مركزية..إلخ) وترى أيضاً أن التعدّدية الثقافية التي تقول بها الجهات الرسمية، تتخذ موقفاً مضاداً للعداء للإسلام (إسلاموفومبيا) كما ترى كذلك أن التعدّدية الثقافية هي شعار لفظي يُخفي ممارسات التمييز العنصري بأشكاله كافة، سواء في التعليم أم في السكن أم في العمل.
حاجة أوروبا إلى عمّال أجانب استمرت طوال الشطر الأكبر من القرن الماضي لكنها خلّفت تلك المشكلة التي استمرت مع أبناء المهاجرين على مدى ثلاثة أجيال: فقد جعلت الدول الأوروبية المختلفة مسألة "الدمج الثقافي" أو "الذوبان الثقافي" شرطاً مسبقاً للاعتراف بمواطنية الجماعات المهاجرة إليها من مستعمراتها السابقة. لذا يرى عدد كبير من السوسيولوجيين الأوروبيين أن سياسة التعدّد الثقافي في أوروبا لم تتحوّل إلى واقع قائم بل بقيت صورة شكلية. فقد آلت مسألة التعدّد الثقافي إلى اعتراف شكلاني لفظي بالتعدّد الثقافي وسلوك فعلي بالتمييز الثقافي القائم على المركزية الثقافية. لذا، لا بدّ من التمييز بين مسار سياسة الدمج القسري التي استخدمتها الحكومات الأوروبية وسلوك الأوروبيين العفوي في التعامل مع المهاجرين: فمن جهة أولى كان لتلك السياسة ـ وبخاصة عبر الأيديولوجيا التي حملتها الأحزاب السياسية المختلفة في شأن مسألة العمال المهاجرين بوصفهم مشكلة اجتماعية لا بدّ من حلها قانونياً وسياسياً ـ مفاعيل عنصرية وتأثير في توجيه سلوك الناس العاديين في التعامل مع المهاجرين الأجانب، ومن جهة ثانية كان هناك سلوك الناس العاديين في أوروبا العفوي والودّي في التعامل معهم.
التعدّدية الثقافية في أوروبا مبدأً نظري يتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان ومُثُل الديمقراطية والمساواة، التي نشأت نظرياً في عصر الأنوار، وعملياً مع الثورة الفرنسية، التي حررت اليهود في فرنسا (ثم تدريجاً في المجتمعات الأوروبية).. لكن أزمتها نشأت من الكفّ عن تطبيقها عملياً بسبب هيمنة مركزية ثقافية أوروبية، وهيمنة أيديولوجيا صهيونية داخلها: فحكام البلدان الأوروبية التي يعيش فيها 16 مليون مسلم، أكثر من 10 ملايين منهم في بريطانيا (هنود وباكساتيون) وألمانيا (أتراك) وفرنسا (عرب)، أعلنوا تخلّيهم عن سياسة دمج الأجانب في النسيج الاجتماعي لبلدانهم، وهي سياسة على أيّ حال لم تعد قائمة وقد تمّ التخلّي عنها عملياً منذ زمن. فعلى امتداد العام المنصرم تعاقب على منبر التخلي عن تلك السياسة سياسيون أوروبيون مرموقون تقدّمتهم المستشارة الألمانية أنخيلا ميركل تلاها رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون ثم الرئيس الفرنسي نقولا ساركوزي ليعلنوا أن التعدّدية الثقافية لا تصلح لأن تكون عقيدة القارة الأوروبية في دمج المهاجرين المسلمين بمجتمعاتها؛ فقد صرّحت المستشارة الألمانية أنخيلا ميركل، في شهر أكتوبر/ تشرين الأول: "إن مقولة التعدّد الثقافي التي بموجبها نعيش هكذا ببساطة بعضنا إلى جانب بعض، ونحترم بعضنا بعضاً، باءت بفشل ذريع". كما صرّح ديفيد كاميرون، رئيس الحكومة البريطانية، في شهر شباط/ فبراير 2011 : "بمقولة تعدّدية ثقافة الدولة شجَّعنا ثقافات مختلفة على أن يعيش كلّ منها حياةً منفصلة، معزولةً عن باقي الثقافات وخارج السياق الثقافي الأساس. لم يتمكّن أيّ من هذه الثقافات من تقديم رؤية للمجتمع الذي ترغب في الانتماء إليه". كما صرّح الرئيس الفرنسي نقولا ساركوزي في شباط/ فبراير 2011 كذلك : "التعدّدية الثقافية إخفاق تام. الحق، أننا في ديمقراطياتنا كافة، انشغلنا كثيراً بهوية القادم إلى بلادنا، ولم ننشغل بما فيه الكفاية بهوية بلادنا بالذات".
تتلاقى هذه التصريحات وكأنما في أوركسترا واحدة، أو كأنها تشير إلى منعطف خطير لعلاقات أوروبا مع جالياتها الإسلامية كان لا يمكن له أن يسود لولا آلة إعلامية أيديولوجية تمكّنت من تحويل العداء للساميّة (اللاساميّة)الذي ساد أوروبا في ثلاثينيّات القرن الماضي إلى عداء للمهاجرين المسلمين سرعان ما تحوّل إلى "إسلاموفوبيا"، وقد تكرّس هذا المنعطف منذ "سبتمبر 2001"، وتعدّت نتائجه شنّ الحرب المعلنة على العراق وأفغانستان بحجة الحرب على الإرهاب، إلى شنّ عداء غير معلن على المسلمين في أوروبا بحجة أيديولوجية هي استحالة الانسجام والتوافق معهم. فقد بدأت تلك الآلة الإعلامية/ الأيديولوجية تضخّ منذ بداية أواخر القرن العشرين مع مقولات "صراع الحضارات" التي أطلقها صموئيل هنتغنتون والتي فنّدها الفيلسوف البلغاري تسفيتان تودوروف بقوله إن "الحضارات" التي يقول بها هنتنغتون ليست في واقع  الأمر سوى الانتماءات الدينية.
التعدّدية الثقافية في مهبّ السياسة.. التعدّدية الثقافية في مهبّ السياسة.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 5:03:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات