إعلان 728x90

في صباح العيد: القهوة أكثر من طقس صباحي!

في صباح العيد: القهوة أكثر من طقس صباحي!
العدد: 84   التاريخ: 1/9/2011
في ما وراء النكهة والعادة والمذاق تكشف "القهوة" عن الكثير من الجوانب والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في حياتنا. والواقع أنه مذ كان الشجر والنبات، كانت شجرة البن. أما اكتشاف وجودها، وإدراك ماهيتها، فذلك أمر حائر على أكفّ الأساطير العتيقة، وإن كان البعض ينسب الفضل في تحقيقه إلى راعٍ عربي من اليمن غير السعيد هذه الايام.
تقول الأسطورة إن راعياً يمنياً أفاق ذات ليلة على ماعز، وهي تلهو وتقفز في هدأة الليل على غير عادتها في الحظيرة، كأنها هي في رابعة النهار. وعظم قلقه، واشتد عجبه حين تكرر حراك الماعز إياها على مدار ليال عدّة؛ فمضى يراقب شؤون قطيعه في النهار، علّه يضع يده على مفتاح السر، ويدرك السبب الذي يمنع إحداها عن الاستسلام لإغفاءة الليل. فكان أن لاحظ ماعزه الطروب أول الغروب، وقد مالت إلى دغل قريب تلتهم فيه نباتات غريبة، تحمل حبات حمراء لم يسبق أن لفتت انتباهه. فقدّر بسليقته أن السرّ لا بدّ كامن في هذه الحبوب الحمر، فأخذ قبضة منها وتذوقها فلم يطمئن. وانتهى بأن رفعها على النار في قدر ماء حتى غلت، فتركها تبرد وتذوقها، فإذا المشروب مستساغ ويشي بمرورة شهية، فعاد يشرب ويستزيد، حتى شعر أنه يكاد يطير أنساً وذهولاً. وكانت أولى لياليه البيض أمضاها ساهراً يتدفق بالنشاط، وقد فارقه الكرى وجفاه النوم. وحمل الراعي اكتشافه الثمين، وأشاع سره في حلّه وترحاله حتى ذاع في البلاد، وتيّسر له من حكماء اليمن من نحت له تسميته مبتكرة هي كافا (وهي اللفظة التي اشتقت منها كلمة القهوة) تيمّناً باسم ملك فارسي كان يدعي "كافوس لاي". وقد ورد في أسطورة شائعة أنه كان تناول مشروباً أتاح له التحرّر من ثقل جسده، فارتفع محلّقاً بعض الشيء في الفضاء.
القهوة التركية .. خطأ شائع
بصرف النظر عن مدى دقة الأسطورة، فقد اعتمدت، وأخذ بها الباحثون، وأثبتت مضمونها الموسوعة الفرنسية Quillet، معترفة بأصل القهوة العربي، وبفضل ذلك الراعي اليمني في كشف سرها. والمعروف أن أهل اليمن نشروا المادة وسرّها في شبه جزيرة العرب، وتأتّى لها من التجار العرب من ينشرها بعيداً، حتى بلغوا بها تخوم المتوسط وأدخلوها تركيا، وتحديداً مدينة إسطنبول،  إذ افتتح فيها عربيان سوريان أول مقهى "كافي خانة" قدمت فيها القهوة. وعن الأتراك أخذها الأوروبيون، وسوّقها تجار مدينة البندقية، ثم مدينة باريس في أنحاء أوروبا والعالم، معتقدين أنها تركية المنشأ، وهذا كان مبرّر انتشار مصطلح الخطأ الشائع حتى اليوم: "القهوة التركية".
الشعوب الأكثر شرباً للقهوة
تقول معلومات صادرة عن معهد التغذية في برلين قبل سنوات، إن أكثر الشعوب شرباً للقهوة في العالم هم العرب، خصوصاً الخليجيّين منهم، من أهل بادية وحضر. فنسبة من يحتسي القهوة بينهم تتجاوز الـ 98% نظراً لأن القهوة تحوّلت عندهم إلى عنوان عريض للضيافة والكرم، وطقس من طقوس العادات الاجتماعية والتقاليد المتعارف عليها. يُروى أن العربي في السابق إذا كان له من طلب معيّن عند شيخ العشيرة، أو غيره من المضيفين له، كان يترك فنجان قهوته غير مشروب على الأرض، في حركة منه للفت انتباه الشيخ، الذي بدوره يبادره بالسؤال: ما خطبك يا فلان؟ فيجيبه صاحب الطلب: كذا وكذا يا طويل العمر. فيلبّي الشيخ طلبه (إن كان غير مستحيل طبعاً) ويأمره بعدها بشرب قهوته كدلالة على أن حاجته قد لبّيت. وإذا تجاهل المضيف الضيف ولم يلب بالتالي مطلبه، فإن الأمر يعتبر عيباً كبيراً في حقه، ويجرّ عليه صيتاً غير محمود. ومن هنا كانت أغلب العرب لا تطالب شيوخها ومضيفيها بما يستحيل تحققه.
يلي العرب ولعاً بشرب القهوة: الفرنسيون، الذين بات شرب القهوة مع الحليب نظامهم الصباحي كلّ يوم، فضلاً عن تناولهم القهوة على أنواعها طيلة فترات الليل والنهار. وتبلغ نسبة من يشربون القهوة من الفرنسيّين، بحسب معلومات مركز التغذية البرليني 92.12%.
أمّا الأميركيون، فيأتون في الدرجة الثالثة في التعامل والشراب الأسود، إذ تتجاوز نسبة من يشربون القهوة بينهم الـ 91.50%.
يليهم اليابانيون 90.13%، والبرازيليون 90.1%، والألمان 89.2%، فالأتراك 86.3%.. ثم الكولومبيون 85.4%، فالأرجنتينيون 84.1%، والإسبان 82.3%، والبرتغاليون 81.2%، واليونانيون 80.1%.
أمّا الشعوب الأقل شرباً للقهوة في العالم فهم الإنجليز، الذين يفضلون على السائل الأسود، شرب الشاي والتسويق له، ولنظام شربه الـ TeaTime.. يليهم الهنود، ثم الصينيون الذين تتكاثر عندهم أنواع الشاي، وهي داخلة في صلب ثقافتهم الغذائية والصحية. ويعتبر الصينيون المصدّرون الأوائل في العالم لأنواع الشاي الصحي، أو الطبي على اختلافها، إذ تدرّ عليهم هذه التجارة أرباحاً تتجاوز 30 مليار دولار سنوياً. (من كتاب "تجارة البن في العالم" لجوزيه ف. غرايمفو ، ودراسات اقتصادية حول سلعة البنّ في العالم للكاتب عبدالرحمن يوسف الشرفي (اليمن) بوبكر خالد الحراشي (السودان).
أوّل مقهى في العالم
أول المقاهي العامة في باريس افتتحها الأرمني المدعو باسكال بانويان، من دون أن يحقّق النجاح الذي كان يطمح إليه. وخلفه الإيطالي بروكوبيو الذي عرف كيف يحسن تسويق المادة، فإذا بمقهاه يتحوّل إلى مركز يستقطب عشاق القهوة الباحثين عن طاولات يتحلقون حولها ليتبادلوا الأخبار والأفكار والأحاديث، وليطالعوا الصحف ويتسلوا بلعب الورق (الكوتشينة). ولم يطل القرن الثامن عشر إلا وقد افتتح في باريس وحدها أكثر من 300 مقهى، يجتمع فيها الرجال من مختلف الطبقات والاختصاصات، فإذا بالمقهى يغدو مكتب محاماة، ومركز بورصة، وكواليس مسرح، ونادياً وصالة للمطالعة، ومطرحاً للنقاش في مختلف الشؤون والشجون. وباستكمال دورة الحياة المجتمعية، تخصّصت المقاهي، وحظيت كلّ منها بشخصيتها الخاصة ..
فهذا مقهى الأدباء والشعراء، وهذا مقهى السياسيين، وذاك مقهى رجال المال والأعمال، وغيره مقهى الصحافيين والباحثين عن الأخبار الجديدة .. إلخ.
وها هو فنجان القهوة اليوم رفيق أصحاب القلم، حتى ليلقب بـ "المحرر الأوّل". كما هو مادة الضيافة في المنازل، ومجمّع الخلاّن في الجلسات الجماعية، وسيد "الصبحيات" الباسمة، والزاد الذي يكاد لا يخلو منه بيت في أنحاء المعمورة.
القهوة بين المضار والفوائد
لم يسبق لمادة غذائية أن عرفت من المدّ والجزر في رحلتها ما عرفته القهوة. فتارة هي الجرعة المنعشة بعد الاستيقاظ من النوم، لا بديل عنها ولا غنى، وتارة أخرى هي مادة الأرق تطرد النعاس، وتتعب القلب، وطوراً هي المتسبب بالكوليستيرول الذي يهدّد الشرايين والحياة معاً، فأين الحقيقة من كلّ ذلك؟ هل القهوة ضارة أو مفيدة؟ ماذا عن "الكافيين" الذي فيها؟ وماذا عن القهوة الحديثة التي يتمّ تصنيعها بريئة من "الكافيين"؟
 باختصار يمكن القول إن كلّ ما قيل في القهوة على امتداد القرن الفائت لم يكن صحيحاً، ولم يكن كلّه خطأ .. لا بل إن آخر الدراسات الطبية الأميركية تفيد بأن مادة الكافيين مثلاً، وهي المادة المدانة بالخطر على الصحة، لتسببها بأمراض توتّر الأعصاب والأرق والقلق والغضب، والمحرّضة على إنتاج الكوليسترول والحوامض الدسمة .. إلخ، إن مادة الكافيين هذه، تعتبر مصدراً مهماً وغنياً جداً بالمواد المضادة للتأكسد، والتي تكشح آثار المواد الضارة عن الجسم، وتحول بالتالي دون أن يصاب المرء بأمراض شتى.
كما تبيّن لباحثين أميركيين في مركز أبحاث مرضى الزهايمر (الشلل الرعاشي) في جامعة ساوث فلوريدا، أن مادة الكافيين تقلل، وإلى حدّ كبير، من البروتينات المسببة للزهايمر، سواء أكانت في المخ أم في الدم. ويعلق د. غاري أرنيداش على مادة الكافيين، بعدما قضى سنوات طويلة يدرس تفاصيل تفاعلاتها في أجساد الفئران البيضاء: "التجارب الحديثة التي أجريناها (غيري وأنا) على مادة الكافيين تثبت حتّى الآن أن هذه المادة صارت علاجاً متطوراً لأمراض الشلل الرعاشي (الزهايمر) وليست هي مجرد استراتيجية وقائية عامة لهذا المرض فقط".
وفي دراسة أخرى قام بها "معهد دراسات البن والقهوة" في جامعة فاندربليت الأميركية أن القهوة طاردة لكلّ الجزيئيات الشاردة (يسبّبها تفاعل الأوكسجين مع المواد الكيماوية في الجسم البشري)، التي تسبب أمراض القلب والسرطان والمياه الزرقاء في العيون، والجهاز العصبي، وضعف المناعة بشكل عام.
وتبيّن للمعهد المذكور أن نسبة 96% ممّن يشربون القهوة غير معرضين للإصابة بالأمراض السالفة المذكورة. وعليه فالأطباء الباحثون ينصحون هنا بتناول ما بين أربعة إلى ستة فناجين قهوة يومياً. على أن تكون القهوة معدّة بطريقة عادية، أي بالركوة والحراك اليدوي على النار، وليس بالماكينة، لأن الماكينة تسحب الكثير من خواص البنّ المتحوّل إلى سائل قهوة.
كما ينصح الأطباء الأميركيون بعدم تناول القهوة على معدة خالية. وباستخدام البن فور تحميصه وطحنه، وبتخصيص آنية زجاجية تُغلق بإحكام لتخزين القهوة المطحونة منعاً لتسرب الهواء إلى البنّ فيفسد.
وإذا كان الشاي الأخضر، فضلاً عن فول الصويا، والبصل، والثوم، وبعض التوابل، والحمضيات تتضمن كلّها مضادات للتأكسد، فقد تبيّن "للمركز العلمي لأبحاث البنّ" في لندن أن مضادات التأكسد الموجودة في البنّ تفوق غيرها من مواد غذائية مذكورة بأربع أو خمس مرات. وعليه يجب أن نعيد النظر إذن، في كلّ ما يُنسب إلى القهوة على أنها مشروب تفوق مضاره فوائده. وعلى الحريصين على صحتهم، ممّن تركوا عادة شرب القهوة من زمان، أن يعودوا إليها، وبخاصة في مرحلة الشيخوخة، بغية تنبيه الذاكرة فيهم، وتنشيط القلب لديهم. وكذلك أيضاً وأيضاً طرد مرض الباركنسون، أو الشلل الرعاشي الذي يتهدّدهم.
أصناف القهوة
لئن كان هناك أكثر من 60 صنفاً من البنّ، فهناك فصيلتان رئيستان تحتكران الإنتاج العالمي: الآرابيكا (أي العربية) وتنمو أشجارها في الأقاليم المدارية على ارتفاعات تتراوح ما بين 1500 و 6000 متر عن سطح البحر، وتنتج قهوة ناعمة معطرة ومستطابة. وتشكّل الآرابيكا حوالى ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي من البنّ. وتأتي من البرازيل وكولومبيا والبيرو وفنزويلا وأنغولا والكاميرون وبوروندي وأثيوبيا والهند وسومطرة والفلبين وهاواي وكوستاريكا ومدغشقر وتايلند وأندونيسيا.
أما الفصيلة الأخرى من البنّ فتعرف باسم روبيستا (أي القوية الصلبة) وهي غنية نسبياً بالكافيين، وتتمركز حقول إنتاجها الرئيسة في أفريقيا وآسيا.
الآرابيكا هي الأغلى ثمناً، وقد لقبوها بـ "قهوة الملوك"، بينما روبيستا هي الأرخص ثمناً، وتعرف بـ "قهوة العامة".
وثمار البنّ هي ثاني أكبر السلع تداولاً في العالم بعد النفط الخام، نظراً لتداولها كسلعة رائجة في دول العالم كافة. وهي تشكّل دخلاً اقتصادياً ونقدياً كبيراً للعديد من دول العالم التي تزرعه ويوائم مناخها الجبلي وتعتبر البرازيل هي الدولة الأولى في العالم بإنتاج ثمار البنّ. فلقد بلغ آخر إنتاج لها في العام 2010 حوالى 348911 طناً، تليها كولومبيا 150010 طن، ثم أندونيسيا 14439 طناً، فالهند 689000 طن، فالمكسيك 577432 طناً، فغواثيمالا 466300 طن، فأثيوبيا 47713 طناً، فالفلبين 31266 طناً، ففنزويلا 310700 طن .. إلخ.
أمّا إنتاج ثمار البنّ في الدول العربية، وبخاصة في اليمن، فهو ضئيل جداً، على الرغم من جودته وارتفاع أسعاره، وهو "لا يكفي لاستهلاك مدينة صغيرة واحدة في اليمن"، كما يقول مزارع البن اليمني عبدالله محمد أحمد المبيض .. "وإنما ننتجه كي تهديه الدولة إلى كبار زوارها المميزين، ويوزّع على بعض السفارات اليمنية في العالم.
مرّة أخرى، ندعو مع الطبيب الفرنسي بيار جاكس، والبالغ من العمر 91 عاماً، الناس جميعاً إلى ضرورة إعادة الاعتبار للقهوة، وشربها، إنما باعتدال، وخصوصاً أولئك المفكرين والشعراء والأدباء والإعلاميين ممّن اتخذوها حليباً لعقولهم .. فما بين أربعة إلى ستة فناجين قهوة يومياً، أمر نعتقد أنه كافٍ جداً على مدار النهار، وإلا فإن الأمور تنقلب إلى ضدّها.
فوق هذا وذاك، نرى أنه بات لزاماً على العرب، وبخاصة رجال الأعمال على مستوى دولي بينهم، التسويق، وفي العالم كله، لمادة القهوة على أنها من اختراع العرب، كي لا تسرق حقوقهم فيها، وخصوصاً من طرف الإسرائيليين، الذين سرقوا حتى صحن الحمص والتبولة والفلافل، وصاروا يقدمونها في أوروبا وأميركا وغير أماكن في العالم على أنها من التراث الإسرائيلي.
فهل من يتنبّه إلى هذا الأمر، خصوصاً أن القهوة "استعمرت" عقول وقلوب أجيال العالم كله من أقصاه إلى أقصاه؟!.

نعم، القهوة اختراع عربي "استعمر" العالم كلّه .. على الأقل هذا ما تعترف به بعض موسوعات الغرب، وبينها موسوعة Quillet، وذلك قبل أن يأتي من يشطب هذا الاعتراف من الموسوعات ويوسمه زوراً باسمه.
في صباح العيد: القهوة أكثر من طقس صباحي! في صباح العيد: القهوة أكثر من طقس صباحي! مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 8:07:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات