إعلان 728x90

جنونُ العَقل..

جنونُ العَقل..


تحت شجرة الكينا الضّخمة، التقيا، كانا مضطربين، قلقين، كان يريد أن يحدّثها، لكنّه لم يفعل خوفا من ردّة فعلها العنيفة، نظر إلى الصندوق الذّي حملاه مع بعضهما البعض، قالت له بلهجة حادّة: لا تقل لي بأنّك تريد فتحه؟!، قال بتردّد كبير: نعم، وهل ترين مانعا يحول دون ذلك؟، قالت:
-         أنت مخبول..
-        حبيبتي، أنت تقسين عليّ، لماذا كلّ هذا البون؟، و أنا الذّي منحتك قلبي نابضا بالحبّ، وعقلي مشعّا بالرّجاحة، وجسمي عبقا بعطور العشق و التعلّق.
-        أين العقل هنا يا رجل، لقد فقدت عقلك، كيف بك تريدني أن أفتح الصّندوق، و أنت من تملك بحوزتك مفتاح القفل مذ تزوّجنا، و اتّحدنا. ثمّ تعال، قل لي: أنت لم تعد طبيعيّا معي، لقد صرت تتصرّف معي بتحفّظ كبير، لم تقل لي أحبّك منذ مدّة، و أنا التي اشتقت إليك، لم يعد كلامك يشغل بالي مثلما كان من قبل.
-        حبيبتي، هل تثقين بي؟.
-        كنت.
-        و الآن؟.
-        لا أدري، صراحة...
-        إذن، سأكون صريحا معك، هل تعلمين ما الذيّ وجدته في الصّندوق؟.
-        لا، لا أعلم.
-        لقد فتحت الصّندوق خلسة، و عثرت فيه على رسالة مخطوطة على ورق البردي، فيها كثير من الكلام الذّي لم أفهمه، فيها بعض النبوءات التي لم أصدّقها، وفيها من الوصايا التي ستصيب عقلي بالجنون.
-        أرأيت، إنّك تحكم على عقلك بالجنون، أنت مخبول، و أنا لم أكذب عليك.
-        حبيبتي، قولي عنّي ما شئت، لكن اعلمي شيئا واحدا، هو...
-        ماذا؟.
-        لا شيء، لن أقول شيئا حتى أروي لك قصة الرّسالة.
-        إنّك تثير أعصابي، أراك ترغمني على أن أكرهك، أنت تحملني على ذلك بالقوّة، يبدو أنّك لم تعد تأبه لحالي، أنت تفكر في نفسك وفقط، أنانيتك هي التي خمرت عقلك، رغبتك المتوحّشة هي التّي زادتك خبلا على خبل، لا أدري كيف سأتصرّف معك.. هات ما عندك.
-        لقد فتحت الصّندوق البارحة كما قلت لك، قرأت الرّسالة المخطوطة كاملة، لكنّني أصبت بدهشة، بل أصبت بخيبة، بل بقلق سيطر عليّ حتّى كاد يصيب عقلي بالشّلل.
-        للمرّة الثانية تعترف بأنّك مجنون، أكمل.
-        المشكلة ليست في خبلي أو رجاحة عقلي، بقدر ما هي في درجة صدق ما وجدته في الرّسالة.
-        إنّك ترهقني فعلا، دعك من المقدّمات السّاذجة، و الكلام السّمج، و أرحني بحديث واضح، هادئ، ودقيق.
-        أنا الآن أكلّمك، ألا ترين هذا؟!. المهم، قرأت بأنّ الغدّ لن يكون مثل اليوم، عندما فتحت الورقة القديمة، لقيت خطابا مكتوبا بلغة عربية رزينة عن أسطورة فارسية حزينة، بدا الخطاب موجّها لي، يقول صاحبه: أيّها الرّجل الصّالح الحكيم، أصغ إليّ، و استمع إلى نصيحتي، أنت رجل صادق، و سوف يكون على يديك خلاص كثير من النّاس.
-        انتظر، مهلك، ويحك، هل ادّعيت النبوّة أيضا؟.
-        أنت فعلا امرأة وفقط، أحمد الله الذّي حباني عقلا حصيفا، وجسما نحيفا، لو كان العكس لغلبت مروءتي، و هتكت رجولتي، الحمد لله على كلّ حال. سأكمل حديثي، فلا تقاطعيني. قرأت فيما نظرت بأنّ زمانا سيأتي علينا تجفّ فيه ينابيع الماء، و نُمنع القطر من السّماء، تنتشر المجاعة و الأسقام، و تُمحق البركة من الأدواء. يسود عطش عظيم، تموت كائنات كثيرة، وتنتشر غرائب مثيرة، لكن بعد كلّ هذا تعود المياه إلى مجاريها لكنّها تحمل الفناء لشاربيها، فمن يشربها يصاب بلوثة الجنون الأبديّ، إلاّ واحدا يمتّع بالعقل السّرمديّ. أكملت القراءة بسرعة و وجل، فراح صاحب الرّسالة يعظني، قائلا:
-        كن حكيما أيّها الرّجل الصالح، خذ برأيي، و خبّئ ما تستطيعه من مياه نهر الحياة، خذ ما يكفيك من الماء حتّى نهاية عمرك. هل فهمت قلقي الآن يا حبيبتي؟.
-        نعم يا عمري، أنت تفكّر في أن تمنحني حصّتك من ماء العقل، أليس كذلك؟.
صمت الرّجل، وراح يقلّب كفّيه على ما سمع و قرأ، جال بعقله يتصوّر رحلته جامعا للمياه، مخزّنا لها، بقي يتأمل الجرار و البراميل، و ينظر اليوم الموعود حتّى فاجأته زوجته:
-        باسم الله، باسم الله، ما بك يا محمود؟، خيرا إن شاء الله؟.
استيقظ محمود من حُلمه المزعج، مهموما، محموما، خائفا، يتصبّب عرقا، أمسك بيد زوجته، وقال:
-        إنّها قصّة قرأتها البارحة، وقد حيّرتني فعلا، كيف بالأنهار تتوقّف عن الجريان، و كيف بالقحط يسود الأرض في زمن قصير؟!، لقد امتلأت الأرض بالجثث، كان النّاس يشربون من مياه النّهر فيصابون بالجنون إلاّ أنا، حيث بقيت أشرب من مخزون الماء لديّ، لقد جنّ الكلّ يا زوجتي، حماتي، و والدك، الحاج صادق، سعديّة، ورديّة، بركاهم، إمام الجامع، أطفال الشّوراع، الكلّ، الجميع، الجميع.. الحمقى اتّهموني بالجنون، فما كان منّي إلاّ أن شربت من النّهر فصرت مجنونا مثلهم، قالوا بعدها بأنّني عاقل حكيم.
-        أما أنا فأقول عكس ذلك، لقد تأكدت للمرّة الثالثة بأنّك مجنون، وبأنّ ما بينك وبين العقل مسافة ما بين الثّرى و الثّريا، سأذهب لأملأ الجرار و البراميل، لأنّ موعد ذهاب ماء الحنفية قد حان، أمّا أنت فعش في تراتيل جنونك، و امرح.
قلم: أحمد بلقمري
جنونُ العَقل.. جنونُ العَقل.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 5:52:00 م تصنيف: 5

هناك 4 تعليقات

خديجة ادريس (نسيان دوت كوم) يقول...

مزيج ولحمة واحدة من الواقع وصراعه مع الحلم والجنون وكأن يدا ما توقظك من روعة ما ترى من وحي لتصرعك بشيئ من الواقع الملموس فلكم هو جميل هطا التزاوج بين الحقيقة والخيال بين القلب والعقل بين اليقين والجنون بين الحب والكره فاصل مرهف وقطيعة موصولة بالأمل

مستشار التوجيه ، التقييم و الإدماج المهنيين يقول...

تعليق ماتع، وروح نقدية متقدة بالوعي، قوة ودقة الملاحظة عندك بارزة.. لكم يفرح الكاتب عندما يجد قرّاء بمثل نبوغك، يحاورون النص بمثل هدوءك، ويشتقون المعنى من الألفاظ بمثل شعورك.. أستاذتي الكريمة، لقد وفقت في قرائتك إلى أبعد مدى، أهنئ نفسي برجوعك، و إشراقتك المتميزة، وسطوعك..أشكرك جزيلا، و دمت متألقة. تقبلي تحياتي

فاطمة الزهراء بولعراس يقول...

نص جميل جمع بين الواقع والخيال بشكل مشوق
تسلسل رائع للأحداث أحدث المتعة والإعجاب
إعجابي ومودتي
كل رمضان وأنت مبدع

مستشار التوجيه ، التقييم و الإدماج المهنيين يقول...

يا مرحبا، أهلا وسهلا بالأستاذة الفاضلة و الشاعرة الكبيرة فاطمة الزهراء بولعراس
سيدتي زيارتك لمدونتي تجعلني أفخر، وكلامك الجميل عن نصي يجعلني أسرّ..
لا حرمنا الله من زيارتك الكريمة يا أستاذة فاطمة.
عيدك سعيد مبارك، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.. نلتقي على خير.. تقبلي مودتي وتقديري