إعلان 728x90

الصومال لا يريد مساعدات إنسانية


قال يوما عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى :(انثروا القمح على رؤوس الجبال، كي لايقال : (جاع طير في بلاد المسلمين) ....!
الصومال لا يريد مساعدات إنسانية
العدد: 80   التاريخ: 22/8/2011
عن صحيفة "ذا إيست أفريكان" The East African "17.08.2011"
بقلم: راسنا فارا Rasna Warah

في مقالة نشرتها صحيفة "ذا إيست أفريكان" (The East African) ترى الكاتبة راسنا فارا (Rasna Warah) أنه يجب الكفّ عن التعامل مع أفريقيا باعتبارها ضحية فالأعمال التي تمارسها المنظمات غير الحكومية لا تفعل أكثر من إبقاء الحكومات في حالة التبعية. والصحافيون الأجانب الذين يواكبون تلك الأعمال بوصفهم مقرَّبين من تلك المنظمات لا يسعون البتّة إلى الكشف عن الأسباب الحقيقية للمشكلات التي تعاني منها القارة.
موسم المساعدات والهبات بدأ، مع أن موعد بابا نويل في عيد الميلاد ما زال بعيداً. والمنظمات الكبرى التي تقدّم تلك المساعدات كمنظمة الأمم المتحدة و"أوكسفام" (Oxfam) و"سيف ذا تشيلدرن" (Save the Children) ومنظمة "الإغاثة الإسلامية في بريطانيا".. أطلقوا نداء صارخاً لإنقاذ آلاف الصوماليين الذين يتضوّرون جوعاً في بلدهم وفي مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة مثل كينيا وأثيوبيا. بان كيمون، الأمين العام للأمم المتحدة، طلب تقديم مليار و600مليون دولار للمنظمات التي تساعد الصوماليين، كما خصص البنك الدولي نصف مليار دولار لمجهود مساعدة الصوماليين.
ترافق نداء المساعدات الغذائية بصور للجائعين في الصومال تقطّع نياط القلوب؛ فجميع المنظمات الخيرية هرعت إلى مخيمات الجوع في داداب Dadaab في كينيا لتنقل إلى العالم صوَرَ الجائعين عبر أفلام وشرائط فيديو. كان العالم قد شاهد مثل تلك الصور منذ ما قبل ذلك الوقت، عندما التقط الصحافي محمد أمين في أواسط الثمانينيات أفلاماً تصوّر المجاعة التي تفتك بالأثيوبيين فأثارت تلك المشاهد موجةً من نجوم السينما والمطربين العالميين وراقصي الروك الذين تقاطروا إلى أثيوبيا تعاطفاً مع الجائعين. منذ ذلك الوقت غدا الجوع الموضوع الأبرز في أفريقيا وغدا هذا الموضوع إحدى أضخم الصناعات في العالم.
صور الجَوْعى الأفارقة جزء من حملة جمع التبرّعات، وجزء من عمل الصحافة، تماماً كما قال أحد الناشطين في العمل الإنساني في أندرو هاردنغ Andrew Harding لتلفزيون الـ"بي بي سي" من أن الأمم المتحدة يمكن لها أن تستمرّ إلى ما شاء الله في نشر تقارير عن الجوع، لكن السياسيين لا يبادرون إلى فعل شيء إلا عندما تبدأ صور الجَوْعى تظهر على شاشات التلفزة وهم يستحيلون موْتى ويلفظون أنفاسهم.
المشكلة هي أن ما يشاهدونه وما يقرؤونه ليس بذلك القدر من النزاهة والموضوعية كما يحلوا لهم أن يتصوّروا. ففي معظم الأحيان، تأتي تلك الصور وتلك الوقائع من العاملين في المنظمات الخيرية ميدانياً، أو من مخرجين مستقلين. وكالات الأنباء المصوّرة التي لا تمتلك إمكانيات مادية تخوّلها إرسال مصوّرين إلى أماكن بعيدة تقع فيها الكوارث، كمنطقة مخيّم داداب مثلاً، تعتمد ـ وعلى نحو مخالف لتقاليد العمل الصحافي ـ على منظمات إغاثة يكون فيها الناطقون باسم المنظمات الخيرية ـ وهم يرتدون قمصاناً وقبعات تحمل شارة الوكالات التي ينتمون إليها ـ يقومون بتصوير "تقارير إخبارية" عبر الأقمار الصناعية. وحتى عندما يحضر الصحافيون ميدانياً، فإنهم يعتمدون، في نقل وقائع الكارثة، نقلاً حرفياً تقريباً، على الرواية التي تقول بها الوكالات الإنسانية. وبالتالي، فإن ما يُقال عن كوارث الجوع في أفريقيا يغدو متوقّعاً ومنحازاً في آن معاً.
الرواية المريحة التي يتم الاتفاق عليها بين الناشطين في المنظمات الإنسانية والخيرية والصحافيين تلوي عنق الوقائع الحقيقية لكوارث الجوع في أفريقيا. فالصحافيون لا يذهبون إلى قلب الحدث، ولا يُطيقون صبراً لأخذ الوقت الكافي للقيام بالبحث اللازم عن الأسباب الفعلية التي تقف وراء الكارثة وتؤدّي إليها. فالأفارقة أنفسهم لا محلّ لهم في رواية الكارثة التي تحلّ بهم، بل يقتصر وجودهم على كونهم ضحايا فحسب. وعلى نحو أكثر خطورةً أيضاً، لا تسعى وكالات الصحافة إلى التحقق والتثبّت بشكل مستقلّ من الأرقام والوقائع التي تسرّبها المنظمات الخيرية. والحال، أن تلك المنظمات غالباً ما تضخّم الأرقام وتشوّه الحقائق باستنادها إلى معطيات مغلوطة، وقد اكتشفتُ ذلك في الفترة التي عملت خلالها مع إحدى منظمات الأمم المتحدة.
يقول الخبير الاقتصادي أحمد جمعة Ahmed Jama وهو يقطن في نيروني، إن الدافع إلى تضخيم مدى الكارثة هو الرغبة في جمع المزيد من التبرّعات. ويرى جمعة أن من المحتمل أن تكون هناك مناطق صومالية عدّة أُعلِنت مناطق جفاف ـ كمنطقة لوير شابيل Lower Shabelle مثلاً، وهي منطقة شديدة الخصب سجّلت العام الماضي رقماً استثنائياً في محاصيلها الزراعية ـ في حين أنها في واقع الأمر تمتلك موارد غذائية كافية. كما أن من المحتمل أيضاً أن يكون الأشخاص الذين يعانون الجوع في تلك المناطق ليسوا من أبنائها بل مهاجرين إليها من مناطق أخرى أصابها الجفاف.
ويُضيف قائلاً إن مصلحة الأمم المتحدة ومنظمات خيرية أخرى، تقضي بأن تضع أسوأ سيناريو ممكن، على أمل أن يدرّ عليها هذا السيناريو الكارثي دفقاً مستمراً من التبرعات. ويوضح جمعة أن بعض المناطق الصومالية حتى ولو كانت عانت على الدوام من الجفاف الدوري، فإن غياب السياسات التي تخدم حقاً مصلحة الزراعة وتربية المواشي أتاح للجفاف أن يتحوّل بسرعة إلى مجاعات، وهذا ما لم يكن يحصل دائماً. ويقول جمعة إن الصومال كانت في الثمانينيات مثلاً، توفّر 85% من حاجتها إلى الحبوب بفضل استثمارات الحكومة والمجتمع الدولي في ميدان الزراعة.
نادراً ما تذكر المنظمات الدولية الأسباب الأولى للمجاعات. ففي حالة الصومال، يُنحى باللائمة على الحرب الأهلية ويُلقى اللوم على الميليشيات كميليشيا "الشباب" الذين يَحولون دون وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي يسيطرون عليها. طيلة أكثر من عقدين من الزمن بقيت الحرب الأهلية والمجاعة هما موضوع حديث المنظمات الخيرية في الصومال. بيد أن الروائي والكاتب الصحافي نور الدين فرح الصومالي المقيم في مدينة كاب (Cap) في جنوب أفريقيا يرى أن معظم ما يُقال عن الحرب الأهلية في الصومال يقوم على "فرضيات مغلوطة" مفادها أن هذه الحرب الأهلية هي نتيجة صراعات قبلية قديمة. وتلك فكرة قائمة يا للأسف في أذهان عدد من الصوماليين ليست لديهم أي ذكرى عن الصومال وكيف كانت في زمن طفولتهم، حينما كانت موقاديشو العاصمة الكوسموبوليتية "لا إحدى أبهى المدن في العالم وأكثرها تنوعاً وإشراقاً فحسب، بل كانت أيضاً أقدَم مدينة في أفريقيا الصحراء الجنوبية، وأقدم بكثير من معظم المدن الأوروبية الزاهرة في القرون الوسطى".
يرى نور الدين فرح أن الحرب في الصومال ليست بين القبائل بقدر ما هي بين المدن والأرياف، وبخاصة الجماعات التي نزحت نحو موقاديشو قبل أن يغزوا المدينة ويدمروها في العام 1991بكتائب مقاتلة قادتُها من أبناء المدن "مسلّحين بالمظالم القديمة وقد أُعيد النظر فيها بوصفها شكاوى مقبولة". وكان نور الدين قد كتب ما يلي: "إن أبناء الأرياف في الصومال يكرهون المدن بطبيعتهم ولا يحبون العيش فيها، ويعتبرونها أجنبية عنهم، متطفّلة عليهم. وحيث أن للمدن مكانةٌ مبهمةٌ في نفوسهم ومشوّشة في أذهانهم، فقد امتلأت نفوسهم حقداً وكراهيةً فقرروا ذات يوم أن يدمّروها".
ما لا تذكره نداءات الاستغاثة وطلبات مساعدة الصومال، ولا تُشير إليه من قريب ولا من بعيد، هو أن قسماً كبيراً من تلك الهبات المالية يذهب في رشوة الموظفين والمسلّحين وشراء موافقتهم وسماحهم بمرور قوافل المساعدات الخيرية. وليس المسلّحون أو الميليشيات هم من يقومون ـ في عدد كبير من البلدان ـ بابتزاز المنظمات الخيرية للاستيلاء على أموالها، بل هم الموظفون الحكوميون. وإنه لشيء عملي ويسير أن يتمّ تمرير تبييض قسم كبير من أموال المساعدات تحت غطاء نفقات إدارية ولوجيستية للمنظمات الخيرية والإنسانية. علاوةً على ذلك، فإن قسماً كبيراً من المساعدات لا يخرج من البلدان المانحة، بل يبقى فيها ويُدفَع على شكل مرتّبات تذهب إلى خبراء من أبناء تلك البلدان نفسها، أو على شكل اعتمادات مالية لمشاريع تنموية تُشترى في البلدان نفسها.
على الرغم من أوجه القصور المتعددة في هذا الفشل الفاضح، فإن القطاع الخيري والإنساني ما زال ناشطاً يجري العمل فيه على قدم وساق، لا بل إنه عمل مزدهر يلقى نجاحاً تلو نجاح. فالأرقام تُثبِت أن المنظمات الخيرية والإنسانية وسواها من المنظمات غير الحكومية تكاثرت على نحو مُلفِت منذ انتهاء الحرب الباردة؛ ففي كينيا على سبيل المثال، هناك 6 آلاف منظمة غير حكومية محلية ودولية تُسهِم في الاقتصاد الكيني بأكثر من مليار دولار. وفي رأيي أن هناك رابط وثيق وعلاقة وطيدة بين بين عدد المنظمات الإنسانية والخيرية في بلدٍ ما وبين مستوى الفقر في هذا البلد: كلما زاد عدد تلك المنظمات في البلد، تراجعت قدرة ذلك البلد على الخروج من مستوى الفقر الذي يعيشه.
أما السبب في ذلك فهو أن المساعدات التي تقدَّم للحكومات غالباً ما تكون نتيجة مباشرة لتعطيل الاقتصاد المحلي بإلغاء المبادرات الاقتصادية المحلية. ففي الصومال مثلاً يلاحظ مارن Maren أن إنتاج الغذاء أفسدته وعطلته المساعدات الإنسانية، إذ لم تعد مصلحة المزارعين في إنتاج غذائهم بأيديهم. كما أن المساعدات الإنسانية تُضعِف صدقية الحكومات في نظر شعوبها. ذلك بأن المهمات الحكومية حينما تضطلع بها المنظمات غير الحكومية والهيئات الإنسانية، وحينما تكون الميزانيات الحكومية نفسها ـ أو القسم الأكبر منها ـ مموَّلةً من جهات أجنبية مانحة، يتراجع التزام الحكومات بواجباتها تجاه مواطنيها، وأكثر من ذلك تجاه الجهات المانحة. كما يغدو أكثر سهولةً على الحكومات أن تتذمّر وتشكو من نقص الأموال التي تقدّمها الجهات المانحة، وأن تتخذ من ذلك النقص ذريعة تبرر بها تقاعسها وعجزها عن وضع برامج تنموية وتنفيذها. فلا تُفضي المساعدات الخيرية والإنسانية إلا إلى تشويه مُعيب قوامه إتلاف الحس بالمسؤولية التي لا تعود على المواطن العادي إلا بالضرر والخسارة على الدوام.
إن المساعدات الخيرية التي يقدّمها المانحون لبلدٍ ما تقلّص سيادة هذا البلد. فتلك المساعدات هي خير وسيلة تمتلكها اليوم البلدان الأجنبية المانحة لفرض رقابتها على بلدان أخرى من دون أن تُتَّهَم بأنها استعمارية. وذلك أمرٌ يُفضي إلى وضع عجيب غريب في البلد الممنوح: فالبلد الغني المانح ـ والأنكى من ذلك، حين يكون المانح هيئة أو منظمة غير حكومية! ـ يرسم سياسة البلد الفقير التي على حكومته انتهاجها، في حين أن رئيس هذا البلد ووزراءه وجهازه الرسمي يشاهدون ذلك كله مكتوفي الأيدي عاجزين عن فعل أي شيء. لذا، فمن مصلحة الجهة المانحة أن تحرص على حسن سير العمل الإنساني وديمومته واستمراره. ولا يمكن للمانحين أن يحققوا ذلك من دون تواطؤ عملائهم في الداخل، والمنظمات الإنسانية ـ المتعلّقة بدورها بتمويل الجهات المانحة ـ والصحافيين الذين تخلّوا عن كل موضوعية ونزاهة إذ يتحولون إلى ناطقين باسم تلك المنظمات إياها. على أن لا الجهات المانحة ولا المنظمات الإنسانية يمكن لها أن تلعب أي دور من دون تواطؤ الحكومات الأفريقية التي تضطلع على نحو كامل بدور الضحية والشحّاذ في آن معاً.
الصومال لا يريد مساعدات إنسانية الصومال لا يريد مساعدات إنسانية مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 10:22:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات