إعلان 728x90

بَائِعُ الجَوَارِبِ..


بَائِعُ الجَوَارِبِ..
.. بقي يتنقل بين الأسواق باحثا عن شيء ضاع منه يوما، يلحّ عليه صديقه ليعرف مكمن السّر فيجيبه بأنه يبحث عن شيء يشبهه.. أعقر الصديق تصرف صاحبه.. أصر أديب على إتيان مطلبه، بدا مضطربا عندما دخل السّوق، مستعجلا، يبدو أن كل العارضين لا يهمّونه، في سوق الأطمار البالية يفتش عن غايته..قال الصديق:
-         هل تريد أن تبتاع شيئا؟..
-         ليس بالضبط..
-         ماذا تريد إذن؟..
-         قليلا من الصّمت لأجد ضالتي..
-         هل للأمر علاقة بكتابة قصة جديدة؟..
-         إنها أولى القصص وبداية البدايات..
-         ستفهم حين تدرك من أنا؟..
-         أراك لحنت يا صديقي، ما بك؟!..
-         لا شيء، أرجوك إن هذا الأمر يهمني كثيرا..
توارى النّهار، بدأ الناس في مغادرة السّوق وبدأ أديب يشعر بفقدان الأمل.. في آخر زقاق ضيق يقبع شاب يحمل نفس القصّة، بنفس التفاصيل... ياااااااااااااه، إنه أنا، صاح أديب كما لو سقطت تفاحة نيوتن كيقطينة على رأسه المثقل بالماضي التعيس، انزوى قلبه و انقبض كما لو أنه لم يتحمّل تلك الصورة التي تعني له عنوانا واحدا: الفجيعة..
-         أنت، ما الذّي تقصده؟ !..
-         تعال معي ولا تسألني عن شيء حتى أطلب منك ذلك.
-         أنت مجنون حقّا، ماذا تريد أن تفعل؟، انتظر أديب، انتظر...
-         قلت لك: لا تسألني عن شيء، هلاّ صمتّ قليلا؟.
نادى أديب على الشّاب، اقترب منه و سأله: بني من أنت، أخبرني بقصّتك؟. لا تخف أنا هنا لمساعدتك. توجّس الشاب خيفة من أديب وصاحبه، لكنّه ارتاح بمجرّد أن وعده أديب باقتناء كلّ سلعته من الجوارب، قال الشاب: أنا ابن الأرض التي لعنت طفولتي ولفظتني ميتا دون اسم أحمله و لا أب أعرفه، أنا ابن الموتى الذين رحلوا هكذا دون وداعنا، أنا ابن البؤساء الذين انتشرت جثثهم النحيلة الهزيلة على أرصفة الطّرقات تستجدي الحياة ممن لا حياة لهم. لا أدر إن كان هذا التعريف يكفي أم أضيف له بعض البهارات لكي يصبح وجبة دسمة لجريدتك أو أيّة جهة إعلامية تعمل فيها؟..
قال أديب: بني مهلا، ماذا تقول؟!، أنا هنا من أجلك أنت و الآخرين، لقد جئت لأذكر بدايتي، أنا كنت مثلك ذات يوم، لو سألت كلّ زاوية في هذا السّوق لأجابتك عنّي، اسأل عنّي الشّتاء سيجيبك المطر ، اسأل الرّبيع تجبك شمس الصّباح الدّافئ، اسأل عنّي الصّيف يجبك غبار الأرض و ريح السّيروركو الحارّة، اسأل عنّي الخريف يُساقط عليك أجوبة صفراء متناثرة كأوراقه تهدّئ روعتك و تُبدّد شكوكك و خوفك. بني، اسأل عنّي كلّ المواسم تجبك، اسأل العيد و رمضان و السّنة كلّها، يجبك الجميع بلسان واحد: كان أديب يوما مثلك أنت، مرّ أديب يوما من هنا.
-         تمّت -
قلم: أحمد بلقمري
بَائِعُ الجَوَارِبِ.. بَائِعُ الجَوَارِبِ.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 8:14:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات