إعلان 728x90

نـزار قبــاني ....... يتحـدث

            في الثلاثين من أفريـل تكــون قد مـرت ثلاثـة عــشر سنـة على رحيـل شاعـر المـــرأة ( نـزار قبـاني)...وعلى امتداد خـارطة جغرافيـة الحـب الأبديـة ،  يبقـى شيطـــان شعـره يتــحـرك في فضـاء حضــــاري رائـق ... ولعــل أعظم مــيزة لشـاعرية ( نـزار قباني ) هي أن شعــــــره أكــد خلوده حيـا ،  وقليلـون هـم الشعـراء الذيـن ضمنـوا الخلـود وهم أحيــاء ، فكيـف بعد موتـه ؟ ...
            لقـد عـانى ( نـزار ) الكثـير من الصراعـات أثناء دخولـه العالم الدبلوماسـي ، وهذا ما دفعـه إلى القـول :( أدخلني عملي الدبلوماسي إلى أعظم القصور ، وكنت أحس في كل قاعـة عرش أدخلها أن كل كريات الكريستـال ،وكل أواني الأولين ، ومقاعد لويس السادس عشـر ، وملاعق الذهب ، كانت ترحـب بي كشاعر ، لا كدبلومـاسي )..من هنا نشـأ هذا الصـــــدام الذي استمر عشـرين عاما بين حقيقـتين وبين مهنتـين ... بين الوجه و القنـاع ، إلى أن استطـاعت لغة الشعـر في ربيـع عـام 1966 أن تقتـل اللغة الدبلوماسيـة، وتعيـد النفس المشهورة إلى التصاقهـا وتوحــدها ...وكلنا يعــرف أن( عمر بن أبي ربيعة ) و( نـزار قباني ) يطـلان على المرأة إطلالـة أمـيرين مؤمـرين عليها..فهل هذه الإطلالة في رأي ( نـزار قباني ) من بـاب التخطيـط للوصول إلى قلـب المرأة أم لسبـب آخــر ؟...
 يجيـب ( نـزار ) على هـذا في حوار أجـرته مــعه إحـدى الإذاعات الناطقة بالعربيـة عـام 1991 ،  فيقـول : إنني لم أستعمـل الشعـر في حياتي كوسيلـة للإيقـاع أو للتغريـر ، أو الوصـول إلى قلـب المـرأة ... ثم من قـال أن قلب المرأة لا يفتحه الشعـر فقط ... فهناك نسـاء لا تفتـح قلوبهن إلا لخـاتم سولتـير، أو لإسـورة من المـاس ، وهناك نسـاء لا تفتح قلوبهـن إلا لقواريـر العطور، ودفاتـر الشيكـات ... فماذا يستطيع أن يفعـل الشعر لاجتيـاز هذا الطابـور الطويـل ؟ ... وكيف تستطيـع قصيـدة الشاعـر أن تربـح السبـاق ؟ ....  ويقـول :  سألـت ذات يـوم إحدى الصديقـات :  إذا طلبت منك أن تختـاري بين ديـوان شعــر لي ،  وبين السفـر مع رجـل ثـري لا تحبينـه حول العـالم ، فماذا تفعـلين ؟ ... قالت وهي تبتسـم : أسافـر معه ، وأحمل كتابك في حقيبـتي لأقـرأه أثنـاء الرحـلة ...إنــني لـم أستعمـل شعـري لاكتسـاب مغنـم نسائـي أو سياسـي أو دنيـوي ،  عـلى العكـس ..  كـان شـعري في بعـض الأحيـان يتـآمـر علي ، ويقـف ضـدي لأنه لم يكن يـرضي بعـض الفئـات ، وبعض الحكـام... فالحقيقـة غير مرغـوب فيهـا في هذا الجزء من العالـم ... إنـني لم أتكسـب في شعري نسائيـا ، ولم أتكسب سياسيـا ، ولم أرفـع قبعـتي إلى لسيـد واحـد هـو .... (( الشعـــر )) ...
 ويقـــول : أكـبر السعـادات في حياتي هي سعـــــادة العطـــاء والولادة ، فـأنا أفــرح عندما أحب .. وأفــرح عندمـا أكتب .. وأفـرح عندمـا يصدر لـي ديوان شعر من المطبعـة ... فالحب حالـة استثنائيـة باهـرة ، تخرجنـا من حالـة التجمــد والركـود والصقيـع التي نعيـش فيها قبـل الحـب ، لترمينا في منطقـة النـار ... إن الحـب يغـير إيقـاع حياتنا ، وإيقاع دورتنـا الدمويـة ، ويغـير لـون السمـاء ، وحجم الكـرة الأرضيـة ...  والكـــــتابـة هي هـذه السفينـة المدهشـة التي تحملنـا إلى شـواطئ غير معـروفة ، وغابات غير مكتشفـة ، وتفتـح لنـا ملايين النـوافذ على الأمـل ، وعـلى الحـب وعلى العـدل ،  وعلى الإنسـان .. أمـا عندما يصـدر ديـوان شعـر جديد لـي ،  فينتابـني هذا الشعـور العظـيم الــــذي تشعـر به الأم وهي تعطـى مولودها الأول ...  لا فـرق أبدا بين ولادة الأطفال وولادة الكتـب ،  فولادة الأطفـال هـــي استمـرار لبقـاء الإنسـان ،  وولادة الكتـب هي استمـرار لبقـاء فكـره وقلبـه وعاطفتـه ...  أمـا الأحـزان الكـبرى في حياتي فهي جـراح اليــــاقـوت التي أعطـتني أحســـن شعـري ...  الحـزن هو البستاني العظيم الذي يــزرع أجمـــل الأزهـار ،  في حيـن أن الفـرح غجـري دائم السفـر ، لا يـزرع شيئـا ، ولا يحصـد شيئـا ...هـاجس يحـاول إدخـالي في خـرم إبـرة ـ أو في عنـق زجـاجة ضيقـة ، وإلا كيـف يمكـن للشاعـر أن يختـزن فـي بيتـه أو في قصيدتـه ثلاثـين عـاما من التجـارب والحـرائق والزلازل والانفعالات ... إن حكايـة بيـت القصيــد الـــتي روجهـا النقـاد العـرب وصدقوهـا هي في نظــري كذبـة كبيـرة ،  فكمـا أنه ليـس بالإمكـان أن نحبـس الشمـس فــــي محــارة ،  فليـــــس بالإمكـان أن نحبـس المتنــبـي أو أبــا تمــام أو شكسبير في بيــــــت من أبيـات قصـائدهم .....تـرى مـاذا سيجيبنـا ( هومـيروس ) إذا طلبنـا إليه أن يختـار لنـا أهـم وأروع بيـت من الإليـاذة ؟ ...  بالنسبــة لـــي هنـاك قصـائد من شعـري أشـعـر نحوهـا بالألفـة ،  والصــــداقـة ،  والحمــاس ...  وقصائـد لا أتحمـس لها كثـيرا.. وأحــب قصـائدي إلـي هي التي عـبرت فيهـا عن موقـف إنسـاني ،  أو عن هـم بشــري ،  أو عن حقيقـة يخـــــــاف النـاس أن يبـوحوا بهـا بسبـب الخـوف أو المجاملـة ،  أو النفـاق الاجتماعي ...  وأهـم قصـائـدي هي تلـك القصـائد التي أشعلـت نــار قلـبي ،  وتركـت وراءهـا جـدلا كبيـرا ورمـادا كثـيرا ...  وعلى سبيـل المثـال أذكــر قصيــدتي :( خـبز وحشيــش وقمــر )  التي كتبتها عـام 1954 ،  عندما كنـت دبلوماسيـا في لنـدن ،  وأثـارت لـدى نشــــرها عاصفــة نقديـة كــبرى ،  وناقشــــهـا البرلمـان الســوري في إحـــــــدى جلساتـه ...  كما أذكـر قصـــــيـدتي :
  ( هـوامش على دفـتر النكسـة ) التي كتبتهـا في أعقـاب هزيمــة حـزيـران عـام 1967 ،  وكـانت أشبـه بقنبلــــــةموقــوتة انفجـرت وفجـرت معهـا ضمـائر الناس في كل المـدن العربيـة ... وباختصـار:  الشعـر عمـل تصـادمي مـن طـراز رفيـع ، ولا قيمـة لشعـر يقـيم في مكتبـة ولا يقــرأ ...
       ولنـا أن نقــول نحـن :إن ( نـزار قبـاني ) رفـع لـواء الحيـاة وانتصـر لها .. لقـد أضـاف إلى الحيـاة كميـة كبيـرة من المياه والـخضرة والعشـق ... وشكـل علامـة فارقـة في الشعـر المعاصـر ،  وخاصـة في شعـر الحـب والعاطفـة ..   وهو الوحيد الذي أضـاف للتـراث إضافـة لها نكهـة خـاصة ،  ووضـع الشعـر العربـي في زمـانه أمـام مفـترق ... وأعطــى  للقصيـدة بعـدا جديـدا ،  فلـم يعـرف الجمهـور العربي شـاعـرا وأحبـه مثـل (( نـزار قبـاني )) ،  ولهـذا لا يمكـن أبـــدا أن نجـد مسافــة بينـه وبـين هـذا الجمهــور ..   (( قلم: سعيــدة هربــاجي ))
نـزار قبــاني ....... يتحـدث نـزار قبــاني ....... يتحـدث مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 12:33:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات