إعلان 728x90

التحليل السوسيولوجي لتطور الثورات الشعبية في الوطن العربي..

التحليل السوسيولوجي لتطور الثورات الشعبية في الوطن العربي..
         هبت رياح ثورة التغيير على الوطن العربي بدءا بتونس ومصر ثم ليبيا و اليمن و سوريا وغيرها، وبقي المواطن العربي يتساءل عن كيفية تحول الثورات واختلاف كل ثورة عن الأخرى من حيث المنحى الذي أخذته على الأقل، و كذا الوقت الذي استغرقته أو يجب أن تستغرقه كل ثورة، و الحقيقة أن لكل ثورة مصدر يتمثل في واحد من العناصر التالية : التبعية، الطبقية، حالة الاغتراب النفسي، البيروقراطية ، السلطوية، الدكتاتورية، ضعف النظام العام و اضطرابه، فشل كل خطط الإصلاح المقترحة من طرف الأنظمة، عدم القدرة على تحقيق التنمية المستديمة، عدم وجود الحكم الرشيد، عدم تمتع الأنظمة الحاكمة بالشرعية...وبين هذا وذاك يتيه الناس بين المفاهيم و التعليقات و التفسيرات المصاحبة لكل ثورة، بين ما يشاهدونه على أرض الواقع و ما يقدم لهم على شاشات التلفزيون للاستهلاك، بين البدايات و النهايات، وهنا يبدأ في البحث عن الحقيقة التي تفسر له كيف يحصل التغيير الثوري، وكيف تتطور الثورة، و أين تتجه، وغير ذلك من الإجابات الشافية الكافية، الجامعة المانعة.

التحليل السوسيولوجي لواقع المجتمع العربي..
         يقول عالم الاجتماع العربي الكبير حليم بركات بأن:"المجتمع العربي يعيش حالة انتقالية، ويختبر تناقضات وصراعات تاريخية حادة، مما يجعل قضية التغيير في صلب القضايا العربية.وبين مصادر الإحباطات العربية، أن بعض معالم الحياة العربية تتغير بسرعة مذهلة ( كثيرا ما يكون ذلك في غير الاتجاهات التي نريدها لأنفسنا ) حتى نحس أن أقدامنا لا تطأ أرضا صلبة، فيما تظل بعض الأوضاع الأخرى على حالها تقاوم التغيير ضد إرادتنا، بكلام آخر، كثيرا ما يحصل التغيير دون أن يكون لنا دور في التخطيط له وصنعه فيجتاحنا حيث وحين لا نتوقعه، حتى لتصبح حياتنا كفاحا بائسا ضمن حدود ضيقة.وبكلام أبسط، التغيير يحصل لنا أكثر مما نشارك في صنعه مشاركة إيجابية، فتتراكم التحديات و التناقضات و المعضلات". [i] إن كلاما بمثل هذه القوة لعالم اجتماع مقتدر متمكن ليفسر حقيقة واقع المجتمع العربي الذي يعاني حالة الاغتراب، حيث نراه عاجزا، محبطا، بائسا، غير قادر على صنع مستقبله، مستسلما، خاضعا، لا يملك أية إستراتيجية أو رؤية في التنمية، مجتمع متمرد ولا يؤمن بالسلطة و النظام، سلبي، فاقد للهوية ومختل الشخصية، مجتمع لا يشارك ولا يبادر، مجتمع فاقد للمعايير و غير منتج لها، وهكذا كلما تتبعنا هذا الواقع وجدناه مليئا بالمتناقضات و المعضلات، وهذا ما يؤشر لنشوء حركة ثورية في الأفق لإحداث التغيير بإرادة أو دون إرادة.
لكن لماذا التغيير، وتغيير ماذا؟..
        إن الشعب العاجز أمام الدولة و العائلة و الدين و مؤسسات العمل و التربية وغيرها، العاجز ضمن هذا الكل المتراكب، يعيش في حلقة مفرغة، كبيرة، حلقة لزوم الدور، بمعنى أنه ينطلق لينتهي عند نفس النقطة، لكن تلك الحركة المستمرة و المتواصلة تحدث بمرور الوقت نوعا من الوعي المنطلق من اللاشعور الفردي و الجماعي، نحو الوعي بالمشكلات المختلفة للمجتمع، مشكلات التفكك الاجتماعي على مختلف المستويات إلى غاية الأسرة و انطلاقا منها، مشكلات خلخلة واضطراب القيم و المعايير المجتمعية، انتشار الصراعات بين مختلف العناصر المكونة للمجتمع بسبب جوقة المصالح، هذا ما يؤدي إلى ظهور الاضطرابات في النظام العام للمجتمع الدافع نحو التغيير اللاإرادي في كثير من الحالات، فيلجأ الفرد ومن خلاله المجتمع إلى الدفع نحو تحسين أوضاعه في مختلف مناحي الحياة، و التخلص من التبعية و الطبقية الحادة، الدفع نحو التخلص من السلطوية الإرهابية الخانقة للحريات و الحقوق الأساسية للإنسان، حيث يسعى المجتمع لامتلاك مصيره بيده، فيبدأ بالبحث عن تجاوز الواقع الراهن إلى المستقبل المنشود للخروج من حالة التخلف و تحقيق التنمية، وبين هذا وذاك يتطور الوعي لدى أفراد المجتمع حتى يصل مرحلة متقدمة، مطالبا في هذه المرحلة بإقامة نظام جديد.
إقامة نظام جديد..
إن إقامة نظام جديد يمر عبر تغيير النظام السابق و لا يتأتى هذا إلا من خلال طريقين: عن طريق الثورة الشعبية و إما عن طريق الانتخابات الحرة، النزيهة و الديمقراطية، لكن هذا الخيار ليس متوفرا على الأقل في الوقت الراهن، فبتغيير الأنظمة تسقط الأقنعة و البنى النفسية و القوالب و العقد و كل السلوكيات التي صاحبت فترات الحكم المختلفة، و التي أسست لنوع من القناعات و الاعتقادات السلبية و العقليات السائدة المرتبطة بظروف، مناخ و أدوات حكم محددة.صحيح ان الثورة قد تأتي على الأخضر و اليابس لكنها شر لابد منه لدحر و استبدال الأنظمة السائدة البائدة بأخرى ناتجة عن الثورة الشاملة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، ثورة تأتي للقضاء على التبعية و التخلف،وإلغاء الطبقية، إنجاز الوحدة العربية، التخلص من الاغتراب، تحقيق الحرية و العدالة الاجتماعية، وهذه هي قضايا الشعوب الأساسية، وهكذا يتضح جليا بأن الثورة حتمية ومصيرية في نفس الوقت، ثورة ضد العبودية المختارة، ثورة ضد الانهزامات و الإحباطات المتكررة، إنها ثورة الكرامة.
قلم : أحمد بلقمري/  باحث في القضايا النفسية و التربوية



[i] حليم بركات.المجتمع العربي المعاصر.مركز دراسات الوحدة العربية.الطبعة العاشرة 2008  .ص447
التحليل السوسيولوجي لتطور الثورات الشعبية في الوطن العربي.. التحليل السوسيولوجي لتطور الثورات الشعبية في الوطن العربي.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 8:47:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات