إعلان 728x90

مجانين البارسا والريال؟!!..


حملت حقيبتي واتجهت للعمل، وأنا أحث الخطى على طريق غير معبدة محاولا مسابقة الزمن كي لا تفوتني حافلة النقل، ابتعت جريدة على صفحتها الأولى عنوان بالبنط العريض: " الليلة: بارسا أم ريال؟"، دفعت يدي إلى جيبي لأدفع ثمن الجريدة، لكن البائع فاجأني قائلا: بارسا أم ريال؟، قطبت جبيني مندهشا من كلامه،وقلت له: كيف ذلك؟، قال لي: إن كنت مع البارسا خذ الجريدة بالمجان، لم أجبه من فرط الدهشة، تركت عشرة دنانير على المسحب وخرجت مسرعا..ركبت الحافلة، ألقيت السلام على السائق و الركاب، جلست فإذا بالقابض يقول لي: اليوم، اليوم إن شاء الله يفرحنا الأولاد، سألته لأفهم قصده: من؟، الريال خويا، الريال مع البارسا، الليلة لن ينام أحد..المسكين متحمسا كما لو أنه ذاهب إلى معركة، شغل السائق المذياع لمتابعة الأخبار الصباحية، فأطلعتنا المذيعة خبرا بعنوان: الليلة كلاسيكو إسبانيا البارسا و الريال..سحبت نفسي إلى داخلي وقلت: اللعنة، ما به هذا المجتمع؟، هل نحن في مدريد أو برشلونة؟، هل نحن في الجزائر أم في إسبانيا؟..

أيّها الناس إن الظاهرة جديرة بالدراسة، إنها ظاهرة مجتمع شبابي يعاني اغترابا نفسيا بكل تفاصيله، إنها تجليات العولمة وانعكاساتها، إنها لحظة اغتراب اجتماعي، فكري وثقافي، وهنا نجد هذه الظاهرة لدى فئة الشباب على وجه التحديد حيث الفجوة و الهوة العميقة بين ثقافة المراهقين والشباب وثقافة الراشدين و الكبار من حولهم، حيث يشعر الشباب بالغربة في وطنهم وعدم الانتماء، وهذا راجع للاضطراب العميق في الهوية، فالشاب يحس بأنه لا ينتمي للمجتمع الذي يحقق طموحاته، آماله و أحلامه، فهو لا يشعر بالحرية و المسؤولية وهنا يحاول البحث عن هذه الحرية خارج الحدود المرسومة له، أين لا توجد أية حدود، وبهذه الطريقة في التفكير يتجه نحو العالمي ليلغي المحلي، يتجه نحو الآخر ليقهر الأنا الداخلي و الذات ، فينتقل الصراع بين الذات و الموضوع( الآخر) من المسرح الخارجي إلى النفس الإنسانية حيث يسعى الفرد لإيجاد معنى لحياته وهدفا افتراضيا بعيدا عن الواقع الذي يعيشه، حتى وإن كانت النتائج غير مضمونة ( التجربة و الخبرة بعيدا عن الواقع ومعطياته)، وفي هذه الحالة يظهر الاضطراب في العلاقة بين مطالب الفرد وحاجاته ورغباته، و بين الواقع و الخيالي..
إننا أمام حالة تحتاج إلى وقفة حقيقة وليس مجرد الانبهار و الدهشة و الإشارة إليها باستحياء، علينا اليوم قبل الغد بالعمل على إزالة هذا المظهر الواضح من حالة الاغتراب النفسي التي ظهرت على شباب الجزائر منذ التسعينيات، علينا أن نصارح أنفسنا و نعمل على وضع استراتيجيات حقيقية واضحة وبعيدة المدى من أجل تعزيز الهوية، وبناء التماسك الاجتماعي، وهذا لا يكون إلا من خلال تضافر جهود الجميع دون استثناء و العمل على تعزيز ثقافة المواطنة و المجتمع المدني، وتعزيز الحقوق الأساسية للإنسان و العمل على احترامها، حتى لا نتهم شبابنا بالعنف أو العدوان بمناسبة أو دون مناسبة، فعلى الجميع الالتفات إلى هذه المعضلة التي تتهدد البناء الوطني في المستقبل القريب جدا، لأن الظاهرة أخذت أبعادا خطيرة من الهجرة غير الشرعية( الحرقة)، إلى أعمال العنف و التخريب في الملاعب، إلى الجريمة، وغيرها من مظاهر الاغتراب النفسي.
قلم: أحمد بلقمري
مجانين البارسا والريال؟!!.. مجانين البارسا والريال؟!!.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 8:50:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات