إعلان 728x90

قناة الجزيرة الفضائية و الثورة الشعبية .. قراءة سريعة للخطاب الإعلامي

قناة الجزيرة الفضائية و الثورة الشعبية .. 
قراءة سريعة للخطاب الإعلامي
 
    إننا اليوم نعيش عصر العولمة بكل مقاييسها، حيث تساهم العولمة في بلورة وتشكل عديد المفاهيم والمعايير و القيم لا سيما مختلف أشكال الخطاب، السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الفكرية، الاتصالية و الإعلامية وغيرها.. سنحاول تقديم قراءة للخطاب الإعلامي لواحدة من أهم المؤسسات والقنوات الإعلامية في العالم، إنها قناة الجزيرة الإخبارية الفضائية القطرية التي استطاعت أن تحتل الصدارة وتسترعي الانتباه في كثير من المحطات، ومع ظهور الثورة الشعبية العربية الجديدة كثر الحديث عن الدور الخفي الذي تلعبه هذه القناة ولصالح من تعمل و تدين بالولاء (الانتماء الإيديولوجي )، هذا ما ارتأينا التطرق إليه في قراءة لخطاب قناة الجزيرة.
استقطب الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة الاهتمام منذ تأسيسها سنة 1996، حيث اتسم خطها الإعلامي بتكريس حرية وحق الاختلاف في الرأي، وذلك بتنويع فرص الحوار التعددي والاختلافي، وخلق فضاءات حرة للحوار و النقاش، واستطاعت أن تكسب جمهورا كبيرا حيث يقدر عدد مشاهديها بنحو50 مليون مشاهد حسب بعض الدراسات، لكن أداءها الإعلامي أخذ يتطور شيئا فشيئا حتى صارت تؤثر بقوة على الرأي العام العربي و الغربي على حد سواء، وذلك باعتمادها إستراتيجية فعالة تقوم على إثبات المهنية العالية و الخبرة و الاحترافية رغم أنها في البداية حاولت تقليد قناة البي بي سي البريطانية، لكنها مع مرور الوقت استطاعت شق طريقها بنفسها وتخلصت من النموذج الغربي حيث زاوجت ما بين النموذج الإعلامي التقليدي والذي يعتمد على كلام الخبير و إصغاء المواطن ومهارة وكفاءة الإعلامي في إيصال الرسالة من جهة، و النموذج الحديث الذي يتجاوز النقل الأحادي للمعلومات وتحقيق مزيد من التفاعل و المشاركة بين مختلف أعضاء العملية الإعلامية.
إن قناة مثل الجزيرة استطاعت في وقت ما مضايقة الولايات المتحدة الأمريكية و حليفتها إسرائيل في المنطقة العربية تستدعي الوقوف عند دورها في تحقيق الوعي بقيم المجتمع المدني و الدولة الحديثة، قيم الإرادة الإنسانية الحرة، قيم العقل و القلب، قيم الشكل و المضمون، القيم الفردية و الجماعية.إن الجزيرة مشروع إعلامي حداثي تحقق في الواقع، هي نتيجة حتمية للعولمة، لقد تمكنت من تفكيك عناصر الرتابة المسيطر على الإعلام الرسمي العربي الموجه للرأي العام، كما استطاعت النفوذ إلى لاشعور المواطن العربي، هذا المواطن العاجز، البائس، المصاب بحالة الإحباط و الاغتراب النفسي، حيث لا يملك إرادة و لا خطة أو هدفا، تسيطر عليه مؤسساته ( مؤسسة الإعلام الرسمي واحدة من المؤسسات ) بدل أن يسيطر عليها..إن قناة الجزيرة باعتبارها قناة تقدم مضمونا ومحتوى حداثيا استطاعت أن تفهم آليات الحوار الإعلامي الحديث وتقدمه بطريقة احترافية، حيث خاضت الصراع على جبهات متعددة، جبهة الغربيين ( الجمهور الغربي ) بما في ذلك الإسرائيليين، وجبهة العرب المتشعبة الانتماء الإيديولوجي، الفكري و الثقافي و الاجتماعي، معتمدة على عاملين هامين هما نقد الذات و نقد الآخر، هذا ما جعل الرأي العام العربي يقتنع إلى حد بعيد بأطروحات الجزيرة وخطابها الإعلامي الداعي إلى نشر الحقيقة المطلقة لدى الشعوب العربية ألا وهي حالة التبعية و التخلف، الطبقية، حالة الاغتراب، البعد عن الديمقراطية وثقافة المجتمع المدني، ما يستدعي بالضرورة نشوء حركات ثورية بتزايد الوعي وحصول الاتفاق بين مكونات المجتمع على ضرورة التغيير من أجل تحقيق الغاية الأساسية من أجل إحقاق الحرية و العدالة و بناء المجتمع الحديث و الديمقراطي.
صحيح أن خطاب قناة الجزيرة ساهم في زيادة وعي الشعوب العربية بحالتها وواقعها المعيش، حيث تزداد الهوة بين الواقع و المستقبل المرام، لكن تبعية قناة الجزيرة لدولة بحجم قطر التي كانت تأوي سفارة لإسرائيل، وجمعتها إلى وقت ليس بعيد مصالح اقتصادية بدولة الكيان الصهيوني، واحتضان قطر لقاعدة عسكرية أمريكية ( الأسطول الخامس )، وكذا دور قطر ودول مجلس التعاون الخليجي في الحرب الأولى على العراق، والعلاقات القطرية الأمريكية المتميزة، ودور قطر السياسي في المنطقة العربية يجعلنا نشك في براءة دور الجزيرة وخطابها الإعلامي، باعتبارها بوقا سياسيا، وقوة ناعمة متطورة بيد القطريين الذين أسسوا إمبراطورية إعلامية عالمية حديثة ومتطورة، لن تكون بعيدة عن الاختراق الأمريكي بكل تأكيد إن لم تكن تعمل لصالح أمريكا التي تستثمر في كل شيء، وتهيمن على كل الفضاءات دون استثناء. ولتوضيح الصورة أكثر علينا فقط ملاحظة أداء الجزيرة المتزامن مع ظهور الثورة الشعبية العربية الجديدة في تونس و مصر وغيرهما من البلدان العربية، حيث اختلف الأداء باختلاف البلدان، في تونس كان التحفظ إلى حين سقوط بن علي، وفي مصر وجهت ضربة إعلامية قوية لنظام حسني مبارك إلى غاية سقوطه، أما اندلاع الثورة في ليبيا فكان ينتظره القطريون بفارغ الصبر حتى ينتهوا من نظام القذافي الذي سبب لهم ولقيادتهم كثيرا من الحرج وزاحمهم في قيادة العرب في كثير من المرات، ونفس الشيء يلاحظ على أداء الجزيرة في اليمن والسودان و سوريا وغيرها من الأوطان، حيث يختلف أداء الجزيرة باختلاف وزن العلاقات السياسية و الاقتصادية مع كل بلد على حدى، إضافة إلى الضغوط الخارجية من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بدرجة أقل، حيث نجد الجزيرة تراعي دائما ضرورة استضافة شخصيات أمريكية للإدلاء برأيها، هذه الشخصيات تمثل في الغالب شخصيات ذات مسؤوليات مختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تحرص على إيصال آخر المستجدات للمشاهد العربي من واشنطن ونيويورك و البيت الأبيض، وحتى من تل أبيب و القدس المحتلة، فهي بذلك تحاول النفاذ غلى لاشعور المشاهد العربي بترسيخ بعض المفاهيم التي تخدم توجهاتها الكبرى باستخدام الآليات الأكثر تطورا في التنفيذ فنيا و مضمونيا، ولا يتأتى هذا إلا من خلال الحرص على الوصول إلى قلب المشاهد وعقله بالتركيز على جمال الصورة والشكل و المظهر، القدرة على إدارة الحوار و التحكم فيه، وحسن اختيار المدعويين و الشخصيات ذات الدلالة الفكرية و الثقافية و السياسية و الحزبية و الاقتصادية و الاجتماعية..
ولا ترى قناة الجزيرة حرجا في استضافة ومحاورة مسؤولين ومثقفين إسرائيليين، لعل أهمهم على الإطلاق عضو الكنيست الإسرائيلي السابق الدكتور عزمي بشارة الذي تقدمه القناة على أنه مفكر عربي، ويعتبر هذه الأيام منظر الثورة الشعبية العربية، حيث يدلي بآرائه موجها، ناقدا، ومفكرا..إلى جانب الداعية يوسف القرضاوي الذي يمسك بدور المرشد الديني للثورة الشعبية..
إن هذه الازدواجية في الخطاب الإعلامي لدى قناة الجزيرة تؤكد بما لا يدعو مجالا للشك بأن القناة تلعب دورا خفيا وحده الزمن كفيل بكشفه، هذا ما يجعلنا لا نجزم مطلقا بأي شيء حتى حين وضوح الصورة، بالإضافة إلى أن  خطاب الجزيرة لا يزال يتشكل ويتبلور، ومستقبل هذا الخطاب يبقى مفتوحا على عديد الاحتمالات..لذلك وجب على الدارسين و الباحثين في ميدان علوم الإعلام و الاتصال، و التحليل السوسيولوجي و النفسي و حتى الأنثربولوجي أن يدلوا بدلوهم ويقدموا لنا قراءة تفكيكية في تجربة قناة الجزيرة والقنوات الأخرى ذات التأثير الواسع على المشاهدين. 
قلم : أحمد بلقمري
موضوع نشر بجريدة الجزائر نيوز بتاريخ: 18 أفريل 2011
قناة الجزيرة الفضائية و الثورة الشعبية .. قراءة سريعة للخطاب الإعلامي قناة الجزيرة الفضائية و الثورة الشعبية .. قراءة سريعة للخطاب الإعلامي مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 4:40:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات