إعلان 728x90

من ثورة الصورة إلى ثورة الشعوب..

من ثورة الصّورة إلى ثورة الشّعوب..
         تشهد بداية هذا القرن ثورات شعبية في كثير من بلدان العالم المتخلف لا سيما العالم العربي الذي انطلقت منه شرارة الاحتجاجات و الغضب الشعبي ، هذه الثورة صارت اليوم سلعة تسوق بطرق حديثة وتكنولوجيا عالية الجودة ،وقد تميز هذا التسويق بمقدرة على توجيه الرأي العام ، وذلك من خلال تسهيل مهمة المشاهد في الوصول إلى المعلومة الآنية الجديدة و الساخنة ،وإتاحة الفرصة له لمتابعة آخر التطورات على الساحة ، وهنا نطرح سؤالا متعلقا بدور وسائل الإعلام في صناعة المشهد الإعلامي الجديد المواكب للحراك الاجتماعي ؟،وهل ثورة الصورة كانت انعكاساتها على واقع الشعوب العربية ثورة شعبية تطالب بالتغيير؟، هل هذه الثورة صناعة غربية تستهدف شعوب العالم الثالث في صورة للاستعمار الجديد ؟...   
الإعلام الجديد في العالم العربي صناعة غربية..
         رغم أنني من الناس الذين لا يؤمنون بفكرة المؤامرة كثيرا إلا أنني في هذا الموضوع أعتقد أن للغربيين خاصة الولايات المتحدة الأمريكية [i] و القوى الامبريالية العظمى اليد الطولى في توجيه ثورة الصورة لتحقق مكاسبا لحساب صانعيها.لقد طور الغرب سلاحا إعلاميا مؤثرا وسخروه لصالح مشاريعهم في دولهم [ii] كما في بلدان العالم الثالث، استعملوا كل الإمكانات المتاحة لديهم من تكنولوجيا متقدمة جدا في ميدان الإعلام من أجل التأثير في فكر الإنسان.لقد اختار الغرب أن يشن حربا نفسية على الدول المتخلفة لتغييب العقول رغم مناداتها بشعارات و مبادئ كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية الفكر، الحق في الاختلاف وغيرها ،هذه الحرب كانت باستخدام الصورة لصناعة مشهد إعلامي باستطاعته إحداث التغيير المعرفي قبل التغيير الموقفي.إن الدول المتقدمة تعلم بأننا في بقية العالم متأخرون جدا في هذا مجال الصناعة الإعلامية،وبالتالي من الصعوبة بمكان أن نستطيع مواكبة مشاريعهم في أوطاننا أو أن نتصدى لتخطيطهم،إننا نعيش زمنا غير زمنهم،إنه زمن الاستعمار الجديد و الهيمنة عن بعد، إنها سياسة فرض الأمر الواقع على الدول المتخلفة،ففي الوقت الذي نئن تحت وطأة الإعلام التقليدي البائد و الباهت في أوطاننا تم غزونا بإعلام قادر على نقل المعلومة و المشهد وتسويقهما بطريقة محترفة حيث جعلونا نصدق كل ما يقال،لقد كذبوا علينا وكذبوا وظلوا يكذبون حتى صدقناهم.
انقلاب السّحر على السّاحر..
  سخر الغربيون كثيرا من الإمكانات لاختراق الساحة الإعلامية في العالم العربي الذي يعيش أزمات داخلية وخارجية، هذا العالم غير المستعد على الإطلاق لمواكبة التحولات في ميدان الإعلام الحديث،وهنا اختلفت التوجهات الإعلامية وتنوعت آليات تنفيذها على المستوى الفني والمضموني،حيث برزت قنوات عربية أكثر انفتاحا وتقدما،قدمت خطا إعلاميا جديدا يتسم بإستراتيجية الحوار المبني على القيمة الفكرية و المدنية،وبدأ المشاهد العربي يستهلك إعلاما جديدا مستوحى من الإعلام الغربي لكن برؤية عربية،واتجه الفرد العربي إلى تحقيق الوعي بقيم المجتمع المدني وضرورة بناء الدولة الحديثة،اتسع فكر الفرد العربي ليستوعب شروط المواطنة المُساهِمة في بناء المجتمع، بدأ هذا الفرد يتخلص تدريجيا من قيود الإعلام الوطني الشمولي الموجه والمسيّس،كانت الدول المتقدمة تعتقد أن الدول العربية ستقتفي أثر الخطط الإعلامية المرسومة بدقة،إلا أن هذا لم يحدث حيث أنه وبمرور الوقت بدأت الفضائيات العربية المقتدرة تؤمن بإمكانياتها وتزيد من سقف طموحاتها،حتى صارت تقدم مضمونا مختلفا عما كان ينتظره الغرب،حيث صارت قناة مثل الجزيرة مثلا تشكل عقبة كؤودا في وجه السياسة الغربية في العالم العربي،وهنا صارت الجزيرة وغيرها من القنوات تشكل قوة ناعمة بالنسبة للدول التي اختارت الاستثمار في هذا مثل دولة قطر التي صارت تحتل مكانة بارزة وتلعب دورا دبلوماسيا ومحوريا في قضايا الشأن العربي،واستطاعت أن تفرض منطقها على الدول الأكثر تطورا في عديد المجالات ، ونضرب على ذلك مثالا استضافة قطر لمنافسات كأس العالم 2022 على حساب إنجلترا و استراليا.ورغم أن الإعلام الجديد من خلال القنوات العربية الفضائية ساهم في بناء مجتمع المعلومات و مجتمع المعرفة إلا أنه فرض بدوره نموذجا معرفيا معينا قد يصطدم مستقبلا بخصوصية الشعوب العربية، وهنا قد ترفض هذه الأخيرة يوما كثيرا من الأطروحات التي لا تعبر عنها، وبالتالي سيرفض المستهلك العربي يوما ما الهوية و السوسيولوجيا المقدمة له من الآخر في أول فرصة يحس فيها بأنه بدأ يسترجع وسائل إعلامه الوطنية في إطار حرية الفكر و التعبير بعد تحقيقه للوعي بذاته و إحداث التغيير.
إعلام الانترنيت ومساهمته في الانتقال من ثورة الصورة إلى ثورة الشعوب..
         لا يختلف اثنان في أهمية تكنولوجيا الإعلام و الاتصال الحديث في حياة الإنسان ،حيث ساهمت في انتقال الأفراد من متلقين للمعلومات ومشاهدين للأحداث إلى صناع للحيز و الرأي العامين، لقد استطاع الأفراد خلق عوالم افتراضية تتبادل فيها المعلومات بشكل كبير جدا،وتتسم هذه المعلومات بالتنوع و الاختلاف و الآنية و سرعة الانتقال من فرد إلى آخر.إن الاتصال باستخدام وسائل الاتصالات الحديثة كالانترنيت جعل الإعلام المرئي يدخل هذا المعترك حتى لا يفوت على نفسه خسارة المستقبل الإعلامي لصالح إعلام الانترنيت،حيث صارت كبريات المحطات الفضائية تتيح لمتابعيها فرصة مشاهدتها على الانترنيت، كما تتيح لهم الاتصال و المشاركة في البرامج و غير ذلك من المنتجات الإعلامية.إن استخدام الشبكات الاجتماعية للاتصال بين الأفراد كالفايس بوك و الماي سبايس و تويتر على الشبكة العنكبوتية جعل ثورة الصورة تساهم في توسع دائرة المعلومات إلى ملايين الأشخاص في وقت خرافي،حيث يستطيعون الاتفاق على التجمع و التظاهر على أرض الواقع أو الفضاء الافتراضي ،كما يقدرون على تبادل النقاش في مختلف الشؤون بحرية مطلقة دون رقابة ممارسة على الخطاب المتبادل في إطار الاحترام و الاستماع إلى بعضهم البعض..إن الإعلام الجديد خلق رأيا عاما جديدا وواعيا بما يدور من حوله، هذا الرأي العام تبلور في الحيز العام المشترك عن طريق النقاشات النقدية البناءة التي يديرها الجمهور الحر المستقل بعيدا عن خطاب السياسيين،وهذا قاد بدوره إلى التغيير و إحداث الثورة بسرعة وبطريقة مفاجئة لم يكن أحد يتوقعها .
         إن أكبر خطإ وقعت فيه الأنظمة الشمولية البائدة في عالمنا العربي بحكامها الدكتاتوريين المستبدين أنها لم تعمل حسابا للتطور و التحول الحاصل حولها،فمن الداخل كان المواطنون يتواصلون وكانت النقاشات و المطالب تزداد ، و الوعي يتبلور، والكل أحس بضرورة التغيير حتى انفجرت الأوضاع وخرجت عن سيطرة الحكام التقليديين الذين كانوا يظنون بأنهم احكموا السيطرة على شعوبهم من خلال خنق الساحات الإعلامية و التضييق على الحريات في حين أنهم أمدوا الشعوب بحرية مشاهدة القنوات الفضائية و استخدام الانترنيت التي كانوا يعتقدون بأنها سوف تلهي الشعوب عن الالتفات لحقوقها،وهكذا ساهم هؤلاء بتسريع ثورة شعوبهم من حيث لا يدرون .
قلم : أحمد بلقمري         باحث في القضايا النفسية و التربوية



[i] ( من خلال معهد غالوب للدراسات الإستراتيجية ومخابر البحث التابعة للجيش الأمريكي ..)
[ii] إقناع الو م أ للأمريكيين بضرورة الحرب على الإرهاب في أفغانستان و نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق
من ثورة الصورة إلى ثورة الشعوب.. من ثورة الصورة إلى ثورة الشعوب.. مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 3:10:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات