إعلان 728x90

انعكاس الأزمة الاقتصادية الأمريكية على البيئة الدولية



انعكاس الأزمة الاقتصادية الأمريكية على البيئة الدولية
         تشهد الساحة السياسية و الاجتماعية العربية تحولات عميقة، حيث تحركت الثورة الشعبية دون سابق إنذار بدءا بتونس، مرورا بمصر، فليبيا، فالبحرين، فاليمن، فسوريا، ناهيك عن السودان الذي شهد استفتاء لتقسيم البلاد.. وقد يتساءل البعض عن سبب هذا الحراك المفاجئ في الزمان و المكان ،و للإجابة على مثل هذه التساؤلات لابد أن نتكلم عن النظام الدولي ككل و انعكاس التوترات في العلاقات الدولية، لاسيما العلاقات بين الدول الكبرى كأمريكا و روسيا و الصين وفرنسا بدرجة أقل ،ولعل ما يلفت الانتباه هو انهيار الاقتصاد الأمريكي و تسجيله عجزا في السنوات الأخيرة و ما لذلك من تأثير على البيئة العالمية ،وهنا علينا طرح السؤال التالي : هل ساهمت الأزمة الاقتصادية الأمريكية في التهيئة لإحداث تغييرات عميقة في البيئة الدولية ؟ ،وهل تعتبر الثورات الشعبية في الوطن العربي نتيجة حتمية لهذه الأزمة باعتبار الولايات المتحدة الأمريكية لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط على الأقل ؟.
أزمة الولايات المتحدة الأمريكية أزمة كل العالم ..
         لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس ضغطا رهيبا على الصعيد الدولي ،لا سيما في المنطقة العربية خاصة منذ سقوط المعسكر الشرقي خريف 1991 و الاتجاه إلى نظام القطب الواحد ، وقد تعزز هذا الضغط أكثر منذ الحرب الأمريكية على العراق ، و التي تعتبر حدا فاصلا في العلاقات الأمريكية العربية ، ثم تتالت الأحداث بعد ذلك ،مرورا بمؤتمر مدريد الذي دعا له الرئيس الأمريكي بوش الأب . إن الإستراتيجية الأمريكية في العراق بقدر ما حققته من العوائد و الفوائد التي حققتها في فترة سابقة على المستويين السياسي و الاقتصادي منذ حرب العراق الأولى 1991 (عملية عاصفة الصحراء ) إلى حرب العراق الثانية ( عملية ثعلب الصحراء تحرير العراق ) مارس 2003 ، وتوسيع إستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط و المنطقة العربية ككل ، بقدر ما كانت لها تداعيات على الأوضاع السياسية و الاقتصادية الأمريكية الداخلية حيث تفجرت قضية الرهن العقاري بالولايات المتحدة الأمريكية وتهاوت معها المؤسسات المالية الكبرى ،وتراجع الاقتصاد الأمريكي لأول مرة بذلك الشكل منذ سنوات طويلة، كما تأثرت قيمة الدولار كعملة احتياط دولية بل شهدت تدهورا ملحوظا وانعكس ذلك سلبيا على اقتصاديات معظم الدول من أوربا الغربية و الشرقية إلى أستراليا و آسيا و المنطقة العربية ...، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تفكر في الخروج من الأزمة الخانقة التي عصفت باقتصادها بدء بسياستها في العراق ،حيث التهمت الحرب في العراق ملايير الدولارات مما ساهم في تسجيل عجز دائم وهائل في الموازنة الأمريكية ،ومع هذا التدني للاقتصاد الأمريكي كان لزاما على الأمريكيين التفكير بجد في الحلول الأكثر نجاعة بعد تداعيات التراجع الرهيب لهذا الاقتصاد.
مصائب قوم عند قوم فوائد ..
        قد لا تصدق هذه المقولة مع الأمريكان لسبب وحيد هو أنهم يؤمنون بفكرة مفادها أن الأزمة همة ،ولذلك فإن مصيبة الأمريكيين عند الأمريكيين فوائد ، و الأكثر من ذلك أن الأمريكيين كانوا يعرفون المخاطر المحدقة باقتصادهم ،وكانوا يتوقعون سقوطه منذ إقرارهم لسياسة الإقراض لحفز النمو الاقتصادي ورفع مستوى التشغيل ، لكنهم مقابل ذلك شجعوا هذه السياسة الاقتصادية رغم المخاطر، وهذا ما سمح لهم في التحكم في الأسواق العالمية كسوق النفط حيث يسيطر المضاربون على شركات النفط التي ما فتئت ترفع أسعار النفط كلما دعت الضرورة لذلك ، هذا ما يزيد من تنافسية مصادر الطاقة البديلة كالفحم و الغاز و المحطات النووية و الوقود النووي المتحصل عليه و المستخرج من المحاصيل الزراعية كالذرى ،و الطاقة الشمسية وكلها طاقات جديدة ومتجددة تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية فيها تكنولوجيا متقدمة جدا ، هذا ما يجعل أمريكا تفكر في التدخل في سياسات بعض الدول ليس طمعا في نفطها فحسب ،لأن النفط لم يعد ذلك السلاح في يد الدول المنتجة و الذي يهدد الأمن القومي للقوى الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، بل صار سلعة مثل باقي السلع تتحكم فيها الإستراتيجية الأمريكية التي تقتضي بيع النفط بالدولار لشراء السلع و الخدمات بالعملات الأخرى خارج الدولار كاليورو و الين الياباني و اليوان الصيني وغيرها.
ما هي أهمية الديمقراطية في الوطن العربي بالنسبة لأمريكا ؟
        إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تهمها الديمقراطية في أي بلد من بلاد العالم حتى ولو كانت إسرائيل نفسها بقدر ما تهمها مصالحها أولا. لقد كانت أمريكا تدرك مسبقا أن الحكومات العربية ستتراجع يوما ما أمام الضغوط الشعبية، ومع استشراء الفساد في هذه الدول كانت أمريكا على أتم الاستعداد لتوجيه الأحداث مثلما تريد حسب أهمية كل دولة بالنسبة للسياسة الأمريكية ، وقد أعدت لذلك مختلف السيناريوهات لتحقيق ذلك ،بل سطرت الاستراتيجيات المختلفة لتنفيذ أجندتها في كل بلد على حدى مثلما فعلت بعض البلدان الأخرى مثل بريطانيا و فرنسا.إن تفجر الثورة في تونس على سبيل المثال ،ثم في مصر من بعد ذلك يعطي الانطباع بأن التعامل مع الأحداث في كل دولة يبين تباينا جذريا في المواقف بين الدول الامبريالية العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا مثلا ، وبين مواقف الدولة ذاتها ، حيث نجد مواقف أمريكا في القضية التونسية غير تلك المتعلقة بمواقفها في قضية مصر ، وهكذا ..رغم تطور الأحداث في هذه البلاد بسرعة أربكت السياسيين الأمريكيين إلا أنهم سرعان ما تحكموا في الوضع .إن تزايد مخاطر التفتيت و التفكيك في بلد مثل العراق أو ليبيا اللذين يعتبران من الدول المهمة في إنتاج النفط يجعل الولايات المتحدة الأمريكية أكثر أريحية في فرض سياستها الاقتصادية العالمية ، حيث أن التوتر في بلد مثل ليبيا يهدد السيادة الوطنية على خيرات البلد و بالتالي لا يستطيع أن يتحكم في الإنتاج و حتى في فرض منطق ليبيا في إطار منظمة الدول المصدرة للنفط وفق ما تمليه المصلحة الوطنية،بمعنى أن الدولة الضعيفة سياسيا سترضى بمنطق السوق الدولية وتصبح دولة مثل السعودية مستعدة لضخ كميات هائلة من النفط في حال الأزمات تصل إلى 9 مليون برميل يوميا للحفاظ على استقرار سعر النفط حتى لا تتأثر الأسواق العالمية بارتفاع سعر برميل النفط ، والانعكاسات السلبية لذلك على القدرة الشرائية لمختلف البلدان المستوردة للسلع و الخدمات من بينها كل الدول العربية المنتجة للنفط .
الولايات المتحدة الأمريكية المستفيد الأول من الثورات العربية الشعبية على الأنظمة الشمولية
        إن الولايات المتحدة الأمريكية باحتلالها للعراق رغم الصعوبات التي واجهتها في ما سمي بالمأزق العراقي إلا أنها استطاعت بفضل تخطيطها و إستراتيجيتها الاستشرافية  أن تحقق مكاسب عديدة ، و الأكثر من ذلك أنها استطاعت إطالة عمرها الافتراضي في التحكم في السياسة الدولية إلى ما بعد 2050. إن مجيء الرئيس الأمريكي باراك أوباما للحكم لم يكن عبثا بل كان مخططا له بإحكام ، حيث تكفي العودة إلى خطاب القاهرة الذي وجهه أوباما  إلى العالم الإسلامي حتى نفهم الرسالة التي بعث بها إلى مختلف الأنظمة ، و التي قال في حقها صراحة أن العالم يتغير و أمريكا مستعدة للتعامل مع التغيير المرتقب ، بل ستغير سياستها مع كل العالم لاسيما العالم الإسلامي والعربي، قال أوباما لقد حان الوقت للتعامل مع العرب بالطريقة الأكثر إنصافا، وكان يقصد بأن أمريكا سترعى التغيير وفق إستراتيجيتها.. إن أمريكا اليوم تتعامل مع العرب السذج بمنطق القوي، إننا أمام اتفاقية سايكس بيكو جديدة تتلاءم وتوازنات القرن الحادي و العشرين،و الرابح الأكبر دائما أمريكا وحلفاؤها ، أما الخاسر فهو كما عهدناه الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ..
قلم :أحمد بلقمري/ باحث في القضايا النفسية و التربوية
 موضوع نشر بجريدة الجزائر نيوز بتاريخ: 20 أفريل 2011
انعكاس الأزمة الاقتصادية الأمريكية على البيئة الدولية انعكاس الأزمة الاقتصادية الأمريكية على البيئة الدولية مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 3:13:00 م تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات