إعلان 728x90

التعلم ذلك الكنز المكنون

 التعلم ذلك الكنز المكنون
(قراءة في تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتربية للقرن الحادي و العشرين  المقدم إلى اليونيسكو [i])
             إحدى عشر سنة مرت من القرن الحادي و العشرين ، العالم يتجه بخطى حثيثة ، حديثة وسريعة إلى مستقبل أكثر صعوبة . هوة كبيرة بين عالمين مختلفين تماما ، و البشرية مطالبة أكثر فأكثر بتحقيق السلام و الحرية و العدالة الاجتماعية.العالم يتجه نحو التحديات الأكثر أهمية في حياة الإنسان الحديث للحد من الفوارق في مستويات التنمية ، وليس هناك أفضل من التربية   و التعليم لتحقيق هذه اليوتوبيا الضرورية.
            العالم اليوم مجبر على كسب رهان تعلم العيش معا على كوكب واحد ، في إطار الاحترام المتبادل ،ولا يكون هذا إلا بقبول الآخر في مجتمعاتنا الطبيعية التي ننتمي إليها ، من الأمة إلى المدينة، فالقرية ، فالحي ..، وهذا يتأتى إلا من خلال الشعور بالمسؤولية  و الإحساس بالمواطنة ،ومن ثمة التأسيس للديمقراطية ..و الحقيقة أن وضع السياسات التربوية في إطار استشرافي كفيل بإقامة هذا العالم الذي يحقق التنمية البشرية المستديمة ،ويعزز التفاهم بين الشعوب ،ويجدد الديمقراطية.
            إننا اليوم مجبرون على تجاوز التوترات و التغلب عليها على كل المستويات ،ونقصد بذلك التوتر بين العالمي و المحلي ، بين الكلي والخصوصي ، بين الأصالة و الحداثة ،بين الحاجة إلى التنافس و الحرص على تكافؤ الفرص ،بين اكتساب المعرفة و القدرة على استيعابها ، بين إنتاج المعرفة و نشرها ..إننا اليوم بحاجة إلى صياغة وبناء مستقبلنا المشترك ، وهذا كله لن يتحقق إلا إذا اعتبرنا قضية التعلم مدى الحياة قضيتنا الأولى .إن إحلال التعلم مدى الحياة يتطلب منا إعادة التفكير في مختلف مراحل التعليم و الربط فيما بينها ، من التعليم ما قبل المدرسي إلى التعليم الجامعي ،بما في ذلك التعليم أو التدريب الفني المهني . إن الاهتمام بالتعليم يقود إلى بناء استراتيجيات إصلاح شامل لمختلف أطوار التعليم ،ونقصد بالاستراتيجيات الفلسفات التعليمية واضحة المعالم ، التي تتماشى مع الإمكانات و المعطيات ،الفلسفات التربوية الهادفة إلى إحداث التماسك الفكري و الاجتماعي ، بدءا بمحو الأمية ،ووصولا إلى الرقي بالتعليم الأكاديمي النظري و الفني ، ضف إلى ذلك تعليم المرأة ، لأننا اليوم نعيش على كوكب يتزايد سكانه باطراد ، والعولمة في هذا العالم فرضت النقلة من المجتمع المحلي إلى المجتمع العالمي ، و التكنولوجيات الجديدة أدخلت العالم إلى عصر الاتصال ،عصر المعلومات ،التخاطب ،النقاش ،المعارف ،عصر التداول الحر للصورة و الكلمة ،إنه العالم الحديث المفتوح على كل الاحتمالات ..
            إن الرقي بالتربية و الاستثمار فيها يحقق التلاحم الاجتماعي ،ينسج الروابط الاجتماعية بين الأفراد ،كما يحقق الانتقال إلى مرحلة المشاركة الديمقراطية .إن الاهتمام بالتربية و التعليم يضمن القضاء على أشكال الاستبعاد و الإقصاء لأن كل شخص مهم على هذه الأرض.إن التربية السليمة و التعلم الجيد يؤسسان لممارسة المواطنة و بناء المجتمع المدني و العيش فيه .إن تحقيق الإصلاح التربوي في أي بلد يقود إلى النمو الاقتصادي و بالتالي تحقيق التنمية البشرية ،وهنا يصبح الطلب على التعليم لغايات اقتصادية ، بمعنى أن زيادة الاستثمار في التعليم يساوي زيادة رأس المال البشري..
            إن الاستثمار في التربية يتطلب معرفة الدعائم التي تتأسس عليها ،إنها الأهداف التي يؤدي إنجازها إلى اكتشاف الطاقة الإبداعية لكل فرد و إطلاقها ،إيقاظها و تعزيزها ، إنها الدعائم التي تستثمر في الكنز المكنون ،الأهداف التي تتيح للعقل الإنساني أن يكون مبدعا...عندما يدرك الإنسان بأنه يتعلم للمعرفة ،حينها فقط يتجه إلى إتقان أدوات المعرفة ،حين ذاك فقط يعرف أنه يكتسب المعرفة ، لينتجها و ينشرها في مرحلة لاحقة .هكذا يدرك أهمية التعلم للمعرفة ، التعلم للعمل ، ويحقق الفهم العميق لكلا المفهومين ،هكذا يعلم الانتقال من مفهوم المهارة إلى مفهوم الكفاءة ، هكذا يدرك ويتعلم الفرد كيف يعيش مع الآخرين ،كيف يكتشف الآخرين ويعمل على بلوغ الأهداف المشتركة.هكذا يتعلم الفرد كيف يكون حرا ، قادرا ، ومسؤولا ، هكذا يتعلم كيف يكون لنفسه فكرا مستقلا وناقدا ،كيف يصوغ أحكاما شخصية من خلال تجاربه الشخصية ،ومشاركاته في الحياة .
            بعدما قدمنا هذا الطرح المتعلق بأهمية التعلم ،علينا أن نشير إلى أننا اليوم في الجزائر و في كل العالم العربي بحاجة ملحة لإصلاحات جذرية تمس سياساتنا التربوية العقيمة ،إننا في حاجة لإعادة النظر في فلسفاتنا و استراتيجياتنا ،لأننا في القرن الحادي و العشرين ،إننا مطالبون بالابتعاد عن سياسات الترقيع في التربية ، نحن اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى بمراجعة دور التربية في مجتمعاتنا ،إننا ملزمون بتخصيص المزيد من الموارد و توجيه الاستثمار إلى هذا القطاع الحيوي في مسيرة التنمية على مستوى بلداننا ، هذا إذا ما أردنا تبوء مكانة محترمة بين مجتمعات التعلم والمعرفة ، في عالم ليس فيه مكان لأصحاب القدرات المحدودة و العقول القاصرة.
بقلم:أحمد بلقمري    باحث في القضايا النفسية و التربوية
نشر في موقع أصوات الشمال ( مجلة عربية ثقافية اجتماعية شاملة ) بتاريخ : الجمعة 29 ربيع الأول 1432هـ الموافق لـ : 2011-03-04


[i]  التعلم ذلك الكنز المكنون : تقرير قدمته إلى اليونيسكو اللجنة الدولية المعنية بالتربية للقرن الحادي و العشرين .مركز مطبوعات اليونيسكو بالقاهرة .1999
التعلم ذلك الكنز المكنون التعلم ذلك الكنز المكنون مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 11:24:00 ص تصنيف: 5

ليست هناك تعليقات