إعلان 728x90

عودة الثاناتوس ..( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة )

عودة الثاناتوس ..( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة )
الثورة ، العنف ،الاحتجاجات ،المظاهرات الشعبية ،حرق النفس ، التخريب ، النهب ..وغيرها من الكلمات التي نسمعها في كل حين ، لكن لم نتوقف عند فحواها ، ولعل الأقدر على تحليل وتفسير هذه الكلمات و المعاني هم علماء النفس لا سيما المختصين في التحليل النفسي أو علماء الاجتماع وكل المختصين في العلوم الإنسانية لكن بدرجات متفاوتة ..
يرى فرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي أن الثاناتوس أو غريزة الموت التي تدفع الفرد إلى تدمير الذات و تحقيق الرغبة في الموت أهم تفسير تحليلي نفسي لسلوكي العنف و العدوان ، فالفرد الذي يسعى لمقاتلة الآخرين و استخدام العنف ضدهم ينزع إلى التدمير ، ليس تدمير الآخرين فقط و إنما تدمير ذاته أيضا ، ففي لحظة ما يختلط الثاناتوس مع الإيروس ،أي تتداخل غريزة الموت مع غريزة الحياة ،فمن جهة يشعر الفرد العنيف بالكره و البغض و العداء اتجاه الآخرين ومن جهة أخرى يستخدم العنف ضدهم ، كما قد لا يؤنبه ضميره إن فعل ذلك ، لأنه يرى في الأمر حفاظا على بقائه ، وهذا هو الدافع للحياة الذي يتطلب دفاعا عن حظوظه في البقاء، إنه ما يتضح في كثير من المشاهد الاجتماعية و السياسية وحتى الثقافية ..لكن لماذا يعود الإنسان إلى الثاناتوس ؟ ، و لماذا يعود إليه ؟.
إن فشل الذات في تحقيق التوافق بين متطلبات الغرائز اللاشعورية و الحاجات الداخلية الملحة يترك المجال مفتوحا لبروز وظهور العدوان و العنف لإشباع هذه الحاجات في صورة من صور تأكيد الذات ،و العنف يتمثل في أنواع عديدة أولها العدوان و العداء ، و ثانيها أحداث الشغب ، والاضطرابات السيكوباتية ضد الاجتماعية ، و الإرهاب و الجريمة و التعصب و التطرف ، و الأفراد الذين يلجأون إلى العنف هم في الغالب عاجزون عن التعاطف مع الآخرين ، عاجزون عن إدراك المصلحة بنوعيها الخاصة و العامة ، عديمو التبصر و الحكمة ، لا يستفيدون من تجارب الماضي ، ولا يشعرون بالندم أو الذنب ..
هل هي حالة اغتراب هته التي نشاهدها اليوم ؟ ، وماذا عن استعمال النار في هذه الحالة الغريبة ؟ ،سؤال لا بد أن نطرحه في حديثنا عن عودة الثاناتوس ..نعم إنها حالة اغتراب بكل ما للكلمة من معنى ، إنه شعور بعدم الانتماء ، إنه اضطراب في الهوية ، إنها مشكلة هوية عميقة علينا الانتباه لها و إعطائها الأهمية اللازمة لمعالجتها ، علينا أن نبذل الجهد و الوقت لحل هذه المعضلة التي تهدد مجتمعاتنا اليوم ، في ظل موجة تحرير العقل و التنوير الجديد ،لم نكن نولي للحداثة وما بعدها أهمية حتى رابطت على تخومنا ، وها هي اليوم سببا جديدا وجيدا للتحرير ، طريقة أخرى للرجوع إلى الهوية ، لكن قبل ذلك علينا بالمصارحة و المصالحة ، علينا أن ننظر للمرآة ، علينا أن نتأهب لمواجهة عودة الثاناتوس فينا ،لأنها اللحظة الأكثر توقعا بعد النسيان .إن عودة الثاناتوس ليست مشكلتنا نحن فقط في العالم العربي بل مشكلة كل العالم ، ولننظر لفرنسا التي أصيبت بفوبيا هوية ،ها هي اليوم تبحث عن الحلول الأنجع لمجابهة هذه الفوبيا ، ها هي تجعل وزارة للإندماج و الهوية ، انظروا إلى ألمانيا ، إيطاليا ، سويسرا و الولايات المتحدة الأمريكية ...، إنها اللعنة الجديدة و المشكلة الإنسانية الأولى .
لكن لماذا يعود الثاناتوس باستخدام النار و الحرق ؟.كانت النار و لاتزال مرتبطة بالطقوس الدينية و العبادات ، باللاهوت ، فالنار و النور متقابلين مثل الموت و الحياة تماما ،النار دائما ما ترتبط بالمعنى السلبي ، بالعذاب و العقاب ، أما النور فمرتبط دائما بالمعنى الإيجابي ، بالحياة ، بالنمو و الازدهار ، لكن هناك تفاعل كبير بين النار و النور ، هناك اختلاط ومزج ، فالحب نمثله بالنار ، حتى عندما نحتفل نشعل النار ليس للإضاءة فحسب ، إنما حتى للتلذذ بالاحتراق ، فالنار هي الحب و الطهارة  و الحياة  و الشمس  والضوء و اللمعان و الطاقة و الروح و الفخر و القوة ، فالمعنى العميق للنار يتمثل تماما في إزالة الخوف و حدوث الاطمئنان و الأمان النفسي ، فعدما يحرق إنسان نفسه ، فهو يريد إسماع صوته لكن بالطريقة الأكثر دراماتيكية في تاريخ الإنسان ، بإشعال النار و إيقادها من أجل الحياة التي لم يشعر بها ، يشعل النار في نفسه ليطفئ النار التي تحرقه في داخله ، النار التي يكتوي بها داخليا ، يشعل النار ليداوي النار ، وكأنه يرجع لأصل النار الذي هو أصل الماء ، وهنا نفهم جدلية الحب الذي يقابل الحياة و علاقته بالنار ، فالماء يرجع وجوده للنار ، الماء نطفئ به النار ، و النار كلما تغذت بالنار تعطينا نارا تقود إلى الحياة، فالإنسان الذي يحرق نفسه بالنار هو يسارع إلى الحياة ،هو يروم الحياة الحقيقية التي حلم بها ولم ينلها ، لم يعشها ،أما نحن فعندما نشاهد هذا المشهد فلا نحس إلا برغبة في الموت من أجل الحياة لكنها الرغبة الداخلية اللاشعورية المكبوتة ،وهنا الفارق بين الشخص الذي يتخلص من السوية إلى اللاسوية ، لحظة غياب المعايير أو اللامعيارية ، فالأفراد الذين يحرقون أنفسهم للتعبير عن مكنوناتهم غير أسوياء حقيقة ، لكنهم يحصلون على الثناء من الأسوياء ، فيقولون في حقهم ، ماتوا لينيروا لنا طريقنا ، فلنحيي ذكراهم و لنشعل الشموع من أجل حياتهم .
في حقيقة الأمر ، الحديث يطول عندما نتكلم عن النار ، عن الحياة و الموت ، عن الثاناتوس و عودته ، عن الإيروس ، عن الصراع ، عن السواء و اللاسواء ، لكن في النهاية ندرك أن الأمور تتجاوزنا في بعض الأحيان ، وقد لا يتحقق في أذهاننا الفهم الجيد حتى نبحر في المعنى الخفي للكلام ، للسلوك ، إلا إذا استعنا في هذا الفهم بالتفسيرات المقدمة من طرف أهل الاختصاص من علماء النفس ، والاجتماع و الأنثربولوجيا و الدين ..، في هذه الحالة فقط  نفهم الثورة الشعبية وغيرها من الظواهر الاجتماعية و الإنسانية. 
قلم الأستاذ : أحمد بلقمري   
باحث في القضايا النفسية و التربوية
عودة الثاناتوس ..( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة ) عودة الثاناتوس ..( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة ) مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 9:12:00 ص تصنيف: 5

هناك تعليقان (2)

بسملة توحيد يقول...

قد نجيب على هذه الاسئلة إذا اجبنا يوما عن السؤال: لماذا أحرق هذا الطفل نفسه (او :قتل، سرق، عنّف ...)عندما أضحى رجلا...؟

مستشار التوجيه ، التقييم و الإدماج المهنيين يقول...

أنت أعلم مني أستاذتي الفاضلة بأن الطفولة مكن كلّ أسرار الإنسان، فهل من التفات منا و اهتمام وعناية بهذه المرحلة العمرية المهمة في حياة أي بشر على هذه البسيطة؟.. تحياتي لك سيدتي