إعلان 728x90

الرغبة عكس القانون ( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة )

الرّغبة عكس القانون  ( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة )
       يتساءل كثيرون عن أسباب الثورة الشعبية الجديدة ، ويقولون لماذا في هذا الوقت بالذات؟، ماذا يريد المتظاهرون؟، وما هي المطالب الحقيقية لهم ؟، ما هي انتماءاتهم؟، ولماذا يثورون على النظام ؟، وغيرها من الأسئلة التي تتبادر في الأذهان .
      لكن الإجابة على هذه الأسئلة بسيطة بساطة مطالب الجماهير ، حرية ،عدالة وتنمية اجتماعية ، ورغبة عكس القانون الذي لا يحقق هذه المطالب ، فالقانون إذا جئنا لتعريفه هو مجموع المبادئ الأساسية التي تؤسس العلاقات الاجتماعية ، و القانون منظومة رمزية من اللغة ، و الرغبة تنظم عبر القانون ، فالرغبة و القانون يتواصلان و يتفاعلان ، ويحدث بينهما ما يشبه حالة  التعايش المفروض بقوة أحدهما على الآخر ، وهنا نقصد قوة القانون على الرغبة ، لكن في لحظة ما عندما يستخدم القانون من أجل كبت الرغبة الحقيقية المشروعة ، الرغبة في الحياة ، الرغبة في الحرية المضبوطة اجتماعيا ، تظهر الرغبة الجديدة المخلوقة من التحريم ، من القيود ، من القانون ذاته الذي فرض قيودا على الرغبة . و بالتالي يساهم التحريم الذي يؤسسه القانون في إيجاد الرغبة ، ولكي نفهم أكثر نحاول تقديم مثال على ذلك ، وليكن شعارا للمتظاهرين في ثورة  الخامس و العشرين من يناير الأخيرة  في  مصر ، هتف المتظاهرون بقولهم : الشعب يريد إسقاط النظام . هنا نسجل وعيا كبيرا ، وفهما عميقا ، وتحررا و ميلادا لرغبة جديدة ، لعهد جديد ، يحاول التأسيس لنظام جديد ، قانون جديد ينظم الرغبة و يحققها في نفس الوقت ، فالإرادة مرادف الرغبة ، و النظام هنا هو القانون و المنظومة ، و الإسقاط يعني تخطي الحدود و الخروج من التحريم إلى مرحلة أخرى ..
      لكن السؤال الذي يبقى مطروحا ، لماذا يتردد الناس في الانضمام إلى الثورة في بداياتها ؟ ، ثم يهللون بنجاحها في الأخير ؟ ، وهو سؤال ينبغي علينا توضيحه و تفسيره . إن الرغبة هي لب الإنسان وهي مكان القلب في الوجود الإنساني  كما قال سبينوزا ، وقد أولى التحليل النفسي أهمية كبيرة لتفسير الرغبة اللاشعورية بالتحديد، وليس معنى هذا أن الرغبة الشعورية ليست ذات أهمية ، إنما هناك فارق جوهري يحدد أولوية هذا على ذاك ، فالزمن يلعب دورا محوريا وتشكل الرغبة يكون في لحظة أولى لاشعوريا ،ثم يتحدى ذلك و يخرج إلى ساحة الشعور، و تبقى الرغبة في حالة تشكل حتى تصل مرحلة النضج الحقيقي ، وهنا يتيسر تحقيقها وإشباعها في الواقع ، ولكي نفهم أكثر نسوق هذا المثال : يعيش الشباب الجزائري حالة من اليأس و القنوط و العجز ، و يشعر بحالة من فقدان الهوية و عدم الانتماء ، و المسبب الحقيقي لذلك ، نحصل عليه في إجاباته إذا ما سألناه : لماذا كل هذا ؟ ، فيجيب ببساطة : إنها الحقرة . و الحقرة بمعنى التعسف في حقه ، الشعور بالاضطهاد ، عدم الحصول على الحقوق ، عدم تلبية رغباته ، و الرغبة تقتضي الاعتراف من الآخر ، و لكي يبلغ الناس الاعتراف عليهم أن يدركوا أن تحقيق ذلك يتطلب المخاطرة و المغامرة بالحياة و الكفاح من أجل الحياة الأخرى التي يحلمون بها . وهنا نجد أن تردد الناس في الالتحاق بالثورة يرجع أساسا لعدم تبلور الرغبة الجديدة لديهم ، وعدم وصول هذا المولود الجديد إلى مراحل متقدمة من النمو ، فهم يعززون الرغبة لديهم بالاستناد إلى انتصار رغبة الآخرين ، فهم يرغبون لكنهم يترددون فقط ، فالرغبة القديمة المضبوطة بالنظام القديم المتعلقة بالتحريم و المنع القديم ، الملتزمة بالحدود تحاول الثبات ، لكنها في النهاية تتراجع لصالح الرغبة الأخرى الأكثر اكتمالا ، الأكثر نضجا ،أما من يتمسكون بمواقفهم في مساندة نظام ما فهم يكذبون على أنفسهم ، هم يخادعون الرغبة بداخلهم ، وفي هذا نحاول كشف الرغبة لدى هؤلاء ، إنهم يرسمون لنا صورة تعارض الرغبة مع الحب ، فهم يحبون من جهة النظام بكل تفاصيله ، يحبون الرئيس الذي يقولون عنه أنه الأب و الجد ، والبطل ، و الرجل الحكيم ، حامي الحمى ، و الزعيم .. فهم يعيشون  حالة من التعلق بموضوع الإشباع ، في مشهد نرجسي واضح ، حيث لا يتخيلون أنفسهم يعيشون حياة أخرى دون الامتيازات التي يحصلون عليها ، دون الجاه ، دون القرب من دوائر صنع القرار ، حتى أننا نراهم في لحظة ما يسعون لقتل رغبة الآخر الجديدة ( رغبة المتظاهرين في الشارع ) ، الرغبة الأكثر قوة في الحقيقة ، الرغبة الأكثر إلحاحا في حياتهم النفسية الداخلية ، رغبة الإنسان في التطور ، في النمو ، في الحياة الجديدة و المتجددة ،الرغبة في وجود المجتمع الممكن ذي البنيان الذي تحكمه أشكال التبادل الاجتماعي ، الرغبة التي يتنكرون لها في حين تدفع إلى الظهور و الخروج من ساحة اللاشعور إلى ساحة الشعور ، إنها حالة لاوعي لدى هؤلاء ، تجعلهم ينزعون إلى الصور الخادعة على حساب الصور الحقيقية.
     هناك سؤال آخر ينبغي الإجابة عليه : لماذا التظاهر في الشارع ؟ ، لماذا يختار الناس الشارع لتحقيق الرغبة عكس القانون السائد ؟.. إن الشارع هو المكان الفسيح لظهور الرغبة ، هو المكان الأكثر اتساعا ، المكان غير المحدود المناسب لاكتمال تشكل الرغبة ، وهذا ما يفسر زيادة المطالب من وقت لآخر ، بتسارع الأحداث يتزايد سقف المطالب وهكذا. ومن غريب الصدف أن الناس يختارون الشارع لأنه الأقرب إلى الطبيعة ، وهو الأقرب إلى القانون على الأقل من وجهة النظر اللغوية ، فالشارع كلمة تحمل تورية أي كلمة بمعنيين الشارع بمعنى الفقيه المشرع للقانون ، و الشارع بمعناه العام المعروف  و هو الفضاء المكاني  و الطريق النافذ الذي يسلكه الناس ، و الشارع يعني الشعب و مصدر القرار الحقيقي ،فإذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يخرج إلى الشارع ، لكن عن طريق التظاهر السلمي الثائر على زمن العبودية المختارة كما قال يوما لابويسيه[i] .
قلم الأستاذ : أحمد بلقمري
 مقال نشر في جريدة الجزائر نيوز بتاريخ : 2011.02.21
الرغبة عكس القانون ( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة ) الرغبة عكس القانون  ( قراءة تحليلية نفسية في الثورة الشعبية الجديدة ) مراجعة من قبل Ahmed Belgoumri في 9:06:00 ص تصنيف: 5

هناك تعليقان (2)

بسملة توحيد يقول...

استاذ :ان مقالك هذا ينم عن فهم عميق وتمكن واضح في تخصصنا..أتمنى من الله أن ألتقيك يوما ما ،وجها لوجه.

مستشار التوجيه ، التقييم و الإدماج المهنيين يقول...

يا أستاذة بسملة نستفيد دائما من بعضنا.. لربما التقينا يوما.. أشكرك على الاهتمام، و أدعوك لمتابعة مقالات أخرى قريبا جدا.
تحياتي لك